المقصود بالتعليم التقني هو التعليم لمدة سنتين إلى ثلاث سنوات بعد الشهادة الثانوية بهدف تخريج فنيين يسدون الثغرة الموجودة في هرم القوى البشرية بين العمالة الماهرة والمهندسين. جوهر التعليم التقني هو تلقين الطلاب المعارف العلمية العامة الضرورية والمهارات العملية المناسبة ودراسة التكنولوجيات والعلوم المتصلة بها وتزويدهم بالمواقف والمدارك المتصلة بالممارسات المهنية للقيام بالوظائف الفنية. ولا بد هنا أن نميز بين مفهوم التعليم التقني ومراكز التدريب المهني والمدارس الصناعية لأن الأخيرة تهدف إلى خلق العمالة الماهرة?للوظائف الفنية، ونفس الأمر ينطبق على مفهوم التلمذة الصناعية.

تعاني معظم الدول العربية من ضعف الإقبال على التعليم التقني حيث تتراوح نسبة الملتحقين بهذا النوع من التعليم بحدود عشرة في المئة وهذه نسبة متدنية. ويعود السبب إلى الموروث الاجتماعي وضعف الحوافز في هذا القطاع. وتاريخياً، فإن الدول العربية التي عانت من الاستعمار وتخلفت في المجال الصناعي كانت تنظر بدونية إلى العمل اليدوي، وأدى انتشار التعليم إلى حلم الشباب في الانخراط في الوظائف الحكومية والذي يعد من قطاع الخدمات، حيث يعطيهم مميزات على غيرهم، وبالتالي ترسخ المفهوم الاجتماعي بالسعي إلى الوظيفة الحكومية، حيث الام?يازات في هذا القطاع تتمثل في قصر ساعات الدوام والأمان الوظيفي والتأمين الصحي وغياب المحاسبة. ويشكل هذا الأمر هدراً للطاقات الفنية. ورغم موجة التصنيع الاّ أن هذا المفهوم تجذّر في أذهان الناس وأصبح من الصعب التخلي عنه. ويحضرني في هذا المجال عندما كنت أعمل في سبعينيات القرن الماضي في معهد التدريب في الكويت أن حضر أحد الشبان إلى مدير المعهد راجياً منه أن يغّير مهنته في البطاقة المدنية من فني إلى موظف، وأخبره المدير أن راتبه سيُخفّض ولا داعي لذلك، فكان جواب الشاب «أريد أن اتزوج والفتيات يردن موظفاً ويرفضن الزوا? من فني».

أما بالنسبة للحوافز فهي تكاد لا تذكر مقارنة بالحوافز الممنوحة للمهندسين بحيث يتجه جميع الطلاب إلى مهنة الهندسة. ولتشجيع الطلاب على الالتحاق بالتعليم التقني لا بدَّ من تعظيم الحوافز لهم، وكذلك منح معاهد التعليم التقني دعماً مادياً وفنياً بشرط أن لا تتحول هذه المعاهد إلى كليات تمنح درجة البكالوريوس كما هو واقع الحال في الاردن لأن ذلك يشكل مقتلاً للتعليم التقني.

ويعود تجذر الموروث الاجتماعي وقلة الحوافز إلى سبب جوهري يكمن في جهل أصحاب القرار لمفهوم التعليم التقني وأهميته في التصنيع والعمليات الإنتاجية والتي تعتبر من الروافع المهمة في الاقتصاد الوطني.

ومن المهم التأكيد على الارتباط الوثيق بين التعليم التقني ومتطلبات سوق العمل لأن الهدف الأساسي لهذا التعليم تزويد سوق العمل بما يحتاجه من عمالة فنية. ففي الأردن نجد أن قطاع الخدمات قد أسهم ب 66.8% من الناتج القومي بينما ساهمت الصناعة ب 28.9% وذلك في عام 2016. أما التوظيف فإن قطاع الخدمات يوظف 80% من القوى العاملة. والملاحظة الأخرى المتعلقة بالأردن هو أن الشركات المتوسطة والصغيرة تشكل 94% من مجموع الشركات العاملة في الأردن. هذه الحقائق ضرورية من أجل تصميم برامج مناسبة للتعليم التقني بحيث تلبي حاجات السوق وتق?م فرصاً تشغيلية للملتحقين بها للتعليم.

لقد أولت منظمة اليونسكو التعليم التقني جل اهتمامها، فأنشأت المركز الدولي للتعليم والتدريب التقني والمهني (اليونيفوك)، بينما أنشأت الكويت الهيئة العامة للتعليم والتدريب التطبيقي وأنشأت السعودية المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني للمساعدة في تكويت وسعودة المهن الفنية في كلا البلدين والتي يهيمن الفنيون الأجانب عليها.

haniob@gmail.com