د.فيصل غرايبه

في إضاءة استهل بها كتابه «من شرفة الثقافة» الذي صدر عن دار الكتاب الثقافي في الأردن، يتساءل عبدالمجيد جرادات: «من أين تبدأ المسؤولية الفكرية في معادلة التعاطي مع تطورات الزمن؟ وأين تقف الجهات المعنية في الارتقاء بعيش الناس، وفي مرحلة تقسو فيها الطبيعة على بني البشر وتتراجع التسهيلات؟». ويضيف لتساؤله: «ماذا عن ثقافة النقد التي تسمو فوق المصالح الشخصية، وتهدف للتصويب وتقريب وجهات النظر، ليسود التفاهم والود، في الوقت الذي ندرك فيه أن مهمة الإعلام ترتكز على أهمية التوعية والتنوير والتثقيف. كما نتفق على أن منظومة القيم هي مادة الحياة وقوامها، وبما عرفناه من خلال المنظومة التربوية».

ويشير المؤلف إلى أن تطورات الأحداث المعاصرة أفرزت جملة تحديات أثرت على المزاج العام والحركة الإنتاجية، ليقوده ذلك إلى السؤال عن الفرص المتاحة أمام صناع القرار والشعوب من أجل تجاوز حالة عدم اليقين التي تشعر بها الأغلبية في عالمنا العربي، وأين تكمن القيود المفروضة أو التهديدات والمخاطر المحتملة؟ وكيف يمكن وضع تصورات مستقبلية؟

وينبه جرادات إلى ضرورة تنسيق الجهود لتوفير الحدود المطلوبة من التفاؤل بغد يستعيد فيه الناس الثقة بأنفسهم وبمؤسساتهم، إدراكا بأن مستقبل الإنسان العربي، ما بين المحتمل والممكن والمفضل، يرتبط بمستوى الرعاية والاهتمام بكل ما ينسجم مع طموحات الناس وتطلعاتهم، علاوة على أن فلسفة الإصلاح تعتمد على جملة معايير، من أبرزها توفر الإرادة السياسية وتحديد مراحل زمنية للإنجاز وتكاتف الجهود مما يعزز الدافعية، إضافة إلى الشفافية التي تعني العمل بأسلوب المكاشفة والمصارحة ومن دون مطارحة.

ويمضي المؤلف إلى تأكيد أن الجماعات تمثل حقيقة واقعة أثرت وتؤثر على حياة الإنسان، فالجماعة لا تتكون بصورة آلية، ولكن من خلال جهود الأعضاء والقادة الإداريين في حل المشكلات وتلبية الحاجات. في حين أن الثقافة تمثل الحصن الأخير للمحافظة على منظومة القيم التي تخدم المسيرة الحضارية للأمة.

تكشف لنا «شرفة الثقافة» هذه كيف يبدو المستقبل في ظل الثورة المعرفية المعاصرة تقنيا ورقميا. ونحن نرى أن وضع التصورات الاستباقية يرتبط بمخرجات مراحل النزاع والصراعات المعاصرة، وما يتوجب اتخاذه من ترتيبات لمشاغلة الذين ضاقت بهم السبل وتورطوا بمواقف ربما أخذت بعضهم بعيدا عن جادة الصواب، فمنطق الأمور يستدعي تجنب إصدار الأحكام المسبقة والتحلي بحسن النية، إلى أن تتضح الحقيقة.

وتبرز أهمية الحديث عن المسؤولية الفكرية عند تراكم الأزمات المالية والاقتصادية وحجم التحديات السياسية التي تتوالى على أبناء العروبة، وعند تنافس القوى العظمى بمنهجية تعزز حماية مصالح شعوب دولها في منطقة الشرق الأوسط. غير أن نجاح الخطط التنموية يعتمد على نمط النظام التربوي وكفاءته وعلى بناء جسور المعرفة وأعمدتها، وعلى تولي رأس المال البشري دوره الريادي في بناء نهضة الأمة.

وتتبلور أهمية المسؤولية الفكرية بناء على جملة حقائق تتضمن جغرافيا العالم التي تأثرت بحالة صراع المصالح وتقاسم النفود، وما نراه في حالات الدول العربية التي اكتوت بنيران الفتن الداخلية وبعد أن تعمقت الخلافات الداخلية ووصلت الصراعات في أكثر من بقعة إلى كسر العظم. إذ إن طابع الهيمنة المرسوم من قِبل الدول المتنفذة، يسعى إلى إذكاء الخلافات الداخلية حتى تبقى الأسواق العربية مستوردة لمنتجات الدول الصناعية، ومن دون أن تكون هنالك خطط تنمية مستدامة تعمق حس الولاء والانتماء.

وتجيء هذه التوجهات بناء على جملة اعتبارات تقوم على أن الشباب أمل الغد، وتهتم بالشباب على أساس أنهم ينتمون إلى شريحة سيكون لها دور مؤثر، تميل إلى التقليد والمحاكاة أكثر من غيرها. بينما يعتمد نجاح المشاريع الصغيرة على عنصري الإبداع والابتكار، ويندرج العمل وإدارة الوقت ضمن متطلبات التنمية بمفهومها الشامل، مع ضرورة المواءمة بين العادات التي تحث على الترابط والود وأهم الخطوات التي تلتقي مع متطلبات العمل وطموحات الشباب، مثلما يعد مفهوم التنمية المعيار الجوهري في تقييم الجهود الائتمانية.

ويتحدث الكتاب عن التنشئة الاجتماعية باعتبارها حلقة تعلم، تتضمن تغييرا في السلوك نتيجة اكتساب خبرات مفيدة وممارسات هادفة، فالإنسان يولد معتمدا على غيره ومتمركزا حول ذاته، ولكي يأخذ طريقه في دروب الحياة، فعليه أن يتمثل في وجدانه قيم المجتمع وعاداته وتقاليده، لتتكون اتجاهاته وميوله، كما أن العوامل البيئية تلعب دورا مهما في تحديد مسار النمو الإنساني، وتتواصل المبادرات الإيجابية لصون البيئة الأسرية، لأنها تعتبر التربة الصالحة لوجود الشخصية الاعتبارية التي تناضل من أجل خدمة أهدافها الشخصية وخدمة بيئتها الاجتماعية.

أما كيف يمكن التغلب على شح الموارد الرأسمالية في الحالات التي تعاني منها الدولة من محدودية مواردها الطبيعية؟ لقد برزت الحاجة إلى المشاريع الإنتاجية والتي توصف بالمشاريع الصغيرة بحكم محدودية الفرص في القطاع العام، لذا فإن التساؤلات التالية تخدم أهداف التنمية المستدامة: ماذا علينا أن نصنع أو ننتج؟ وكيف نسوّق؟ وهل الأسواق متاحة؟ وكيف لنا ان نحافظ على ديمومة العمل والحركة الإنتاجية؟ إذ إن النظرة الموضوعية للحاضر تستدعي استشراف المستقبل بمنهجية تعتمد على التوظيف الأمثل للإدارة الاستيراتيجية للموارد المالية والبشرية.

ينتقل جرادات إلى الحديث عن الإعلام، عندما يحاول خبراء الإعلام معرفة مدى تأثير الصورة الإعلامية في الأوساط الاجتماعية، كيف سيكون بوسع وسائل الإعلام الالتزام بمتطلبات وثوابت مهنتها وكذلك نقل الخطاب الفكري القادر على إشاعة أجواء الأمل؟ وكيف سيتم تطوير الخطاب الإعلامي في ظل الثورة المعرفية المعاصرة بشقيها التقني والرقمي؟

يستدعي ذلك العودة إلى حقبة الحرب الباردة بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة من جهة والمعسكر الشرقي الذي مثله الاتحاد السوفياتي من جهة أخرى، لهذا حدد الإسلام التعامل مع الآخر على أساس التعارف. يقول تعالى: «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا» (الحجرات، 13). لقد نشأت الحداثة الغربية على المنجزات العربية، التي قدمت للغرب على سبيل المثال ابن سينا والرازي والخوارزمي وجابر بن حيان وابن الهيثم وابن خلدون وابن رشد.

إن الأصل هو في الفعل الإعلامي الذي ينبع من ضمير الشرفاء من أبناء الوطن، الذي ينشط الحراك الوطني بمختلف الحقول المعرفية والإنتاجية مما يضاعف من إيجابيات الحوار، والذي يزيل الغموض ويقوي عناصر الثقافة المجتمعية. وكذلك فإن التفكير اللغوي وتحديد الهدف المنشود أمران أساسيان في إدامة سبل التواصل الجتماعي، الذي تتجلى فيه عناصر الإقناع. أما الهدف المنشود من الخطاب الديني المرغوب فهو تشجيع الجمهور على التعاون وتنسيق الجهود في ما بيهم. كما أن من بين التحديات المستقبلية هو واقع مخرجات الصراعات الدائرة في أكثر من دولة عربية منذ مطلع عام 2011 والتي أدت إلى تفريخ المزيد من الحركات الإرهابية.

ويبرز المؤلف الحاجة إلى بلورة خطاب إعلامي، يرتكز على أهمية الإفادة من تجارب الماضي، ويخلص إلى أن من أخبث السياسات التي اعتُمدت أنه تم التركيز على الهجرة اليهودية، للحيلولة دون قيام دولة عربية مستقلة أو موحدة بحيث تجمع بين المشرق العربي وإفريقيا، وكل ذلك من أجل ضمان استمرار السيطرة الأجنبية على مقدرات الوطن العربي والتحكم بسلوك أبنائه، واستطاع هيرتزل أن ينظم مؤتمرا دوليا في حينه حدد من خلاله أهداف الحركة الصهيونية التي تلخصت بأن غاية الصهيوينة هي خلق وطن الشعب اليهودي في فلسطين. فكيف يمكن التصدي للمواقف والسياسات التي تتجاهل الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني على تراب وطنه؟

إن العقيدة العسكرية الإسرائيلية تستند إلى ركائز عدة أهمها قوة الردع والأخذ بالحسابات الاستباقية أو الأجهاضية، ومحاولة نقل الصراع أو المواجهة إلى أراضي الدول العربية. وتكمن خطورة يهودية الدولة في عدم الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، وهو الذي يناضل من أجل استرداد حقوقه المغتصبة، ضمن تجربة قاسية في مقارعة المحتل الذي يتفنن في طرق التهجير والتشريد والقتل والتعذيب. وفي مجمل الأحوال فإن فلسطين ومدينة القدس هما القضية الأولى للعرب والمسلمين وجوهر الصراع بين الشعب الفلسطيني والكيان الغاصب، الأمر الذي يحتاج لمزيد من تكاتف الجهود العربية. وفي الختام يطرح المؤلف التساؤل: لماذا تهتم الدول المتنفذة بمنطقة الشرق الأوسط؟ وتكمن الإجابة في أن الوطن العربي يشارك بالتجارة الدولية بما لا يقل عن 60% من تجارته العالمية، وذلك بفضل ضخامة انتاج النفط العربي.

إلا أن الوطن العربي -كما يحلل الكاتب- يواجه سلسلة من المشكلات والتحديات، في مقدمتها سيطرة شركات التعدين الأجنبية على إنتاج الثروة المعدنية، وعمق الرواسب ونسبة المعدن في المادة الخام، وعدم توفر رأس المال في كثير من الأقطار العربية، ونقص الخبرات الفنية. إضافة إلى أن حالة الصراع المصاحبة لثورات «الربيع العربي» قد أدت إلى نشوء خلافات عميقة حول هوية الدولة والمجتمع، وحصول التباس وعدم تيقن في ما يرتبط بالنزعة الدينية أو السلوك السياسي، فيتمثل الارتداد السلبي لتفشي الأزمات الاقتصادية بغياب الإحساس بالاستقرار الذي ينعش الآمال ويجدد الطموحات من أجل مضاعفة الإنجازات. كما أن الوجه المشرق للنزاهة أنها تعطي كل ذي حق حقه، فعندما تطبَّق بمنتهى الأمانة، تزول احتمالات الاستقواء أو تجاوز الأولويات.

إن من صفات المجتمع النهضوي أنه جاذب للكفاءات ومحفز لذوي العقول النيرة والخبرات المتميزة، أما النقد الحضاري فيسعى إلى نشوء خطاب معرفي يعي الواقع، ويبحث عن المعرفة التنويرية العقلانية الهادفة. وهذا النوع من النقد يقوى ويكتسب مصداقيته من التزام الناقد الحضاري بقضايا أمته وهموم أبناء بيئته وتطلعاتهم.

إن للنقد الثقافي دورا فاعلا في بناء أسس التوافق ونبذ الخلافات، والحوار فكر وفن، وهو يولد مع الإنسان ويتطور نحو الأفضل أو يتأثر سلبا بالتنشئة المجتمعية والظروف السائدة.

لقد أصبحت الدلالة طريقة العالم المعاصر في التفكير، ذلك لأنها تمثل القدرة على استبدال الكلمات بالأشياء، وهكذا تجلى السلوك السيميائي الذي يوظف قدرات الإنسان في عمليات الاتصال بهدف تحقيق المعرفة وإنتاجها. وينوه الكاتب في هذا الإطار إلى أن خبراء الإعلام يهتمون بضرورة الربط بين محتوى الخطاب الإعلامي والإنتاج المعرفي، مما يقوي من مكانة اللغة العربية في المحافل الدولية، وفي ضوء حقيقة أن أي معرفة مهما كان حقلها لا تستطيع الإحاطة بمقومات الكمال المطلق، مما يستدعي أهمية الانفتاح بغية الاستفادة من الجوانب المضيئة في حقول العلم والمعرفة.

إن العصر الحديث تسيطر فيه الأجهزة الرقمية على عقولنا، وهو عصر الانتقال من المنتديات العلمية إلى سوق التجارة الالكترونية إلى تسليع الثقافة، ثم الانتقال من مرحلة القلق الفكري الى عصر القلق الوجودي، مما يؤدي إلى الانفصال بين الفكر والسلوك.

ويخلص جرادات في نهاية المطاف إلى القول إنه لا بد من مواجهة الحقائق بكل تفاصيلها وأسبابها، إذ نجد أن غرس روح الإيثار بنفوس أصحاب الكفاءات، يرسم معالم الطريق نحو الأهداف المنشودة، ويحتم ضرورة التوافق على تهيئة الكفاءات، والبحث عن دورين حيويين: المدير الذي يتقن فن إدارة الأزمات، والقائد الذي يحترم قيم الناس ويحرص على صون منجزاتهم.