د. إبراهيم خليل

يرى غير قليل من الدارسين للشعر أن أهم ما يميز القصيدة، من حيث هي نصٌّ، قيامها على آليات في النظم لا تتكرر في النثر تِكرارَها في الشعر، ومنها التوازي، والتِكرار، والتنافُر، والمفارقة، أي: التناقض الظاهري في اللفظ تناقضاً يُفصح عن طرافةٍ في المعنى، ودقة في المبنى، تدهش المتلقي، وتلذّ للقارئ.

وفي قصيدة محمود درويش المعروفة المشهورة بالعنوان «عابرون في كلام عابر» التي نشُرت في عام 1988 إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى على الاحتلال، وأثارت في حينه ردود فعل غاضبة في الأوساط المعادية لفلسطين، وحفزت عدداً من العبريين الشعراء للرد عليها بقصائد لا تخلو من عُنْصرية وغطرسة.. في تلك القصيدة نموذج تطبيقيٌّ لشيوع هذه الآليات. وفي المقال الآتي نحاولُ أن نلقي بعض الضوء، إن لم يكن كله، على آليات النظم فيها، متوقِّفينَ، بصفة خاصَّة، عند التوازي والتكرار.

يبدأ الشاعر قصيدَتَه هذه بعبارة «أيها المارّون»، وهذه العبارة تتألف من المنادى (أيُّ) المبنيّ، ومن الهاء، التي تتصل به للتنبيه، ومن «المارّون» التي تعربُ نعْتاً؛ كون المنادى متصرفاً غير جامد، على ذمة النُحاة (سعيد الأفغاني: الموجز في قواعد اللغة العربية، دمشق، دار الثقافة والتراث، ط1، 2011، ص 299). ولا يهمُّنا -ها هنا- الإعراب، ولكن الذي يهمُّنا هو أنّ النداءَ الذي لا بد أن يتبعه أمر، أو طلَبٌ، أو أي شيء من هذا القبيل من المنادى، وهو هنا الواو في (المارّون) يأتي في البيت الثاني: احملوا أسماءكم، وانصرفوا. وإذا نظرنا في القصيدة رأسيا من الأعلى إلى الأسفل، لاحظنا هذا التركيب النحوي يتكرر مراراً. ولكنَّ المطلوب يتغير مما يؤدي إلى وجود نسق تركيبي يقوم على مبْدأ التوازي، وهو تكرار قالب شكليٍّ نحوي مع اختلاف التفاصيل التي يُملأ بها من بيت لآخر. ففي المقطع الثاني:

أيها المارون بين الكلمات العابرهْ

.......

وخذوا حصَّتكُم من دمنا/ وانصرفوا

وادخلوا حفل عشاءٍ راقصٍ/ وانصرفوا».

والشيء المشترك في المقطع السابق، وهذا المقطع، هو تكرار كلمة «انصرفوا» في نهايةِ كل بيت، وفي المقطع الثالث نجد النسق المتوازي التالي:

«أيها المارون بين الكلمات العابرهْ

فخذوا الماضي إذا شئتم

وأعيدوا الهيكل العظمي للهدهد إن شئتم».

ومع أنَّ كلمة «انصرفوا» غابتْ عن هذا المقطع بوصفها همزة وصل تصل اللاحق بالسابق، إلا أن الكلمة عادت للظهور في المقطع الرابع، إذ يَطلبُ منهم المتكلم بعد الخطاب (النداء):

«كدّسوا أوهامكم في حفرةٍ، وانصرفوا

وأعيدوا».

ويتكرر في الخامس، مع تكرار المتوازيين، وهما النداءُ «أيها المارون»، والطلبُ، «آنَ أنْ تنصرفوا»، ولا تقيموا بيننا، ولا تموتوا بيننا. وعلى الرغم من أن المقاطع الخمسة تبدأ بالتركيب المؤلَّف من المنادى «أيُّها»، والنعتِ «المارون» نجد المقْطع السادس والأخير قد انقلب رأساً على عقْب؛ فهو ينْتهي بتركيب النداء، ويتقدم على ذلك المطلوب، «فاخرجوا». وقد جاءَنا الشاعر بمتوازياتٍ جديدةٍ، وهي تكرار الجار والمجرور والتركيب الإضافي، على النسق الآتي:

(من أرضنا/ من برّنا/ من بحْرنا/ من قمْحنا/ من مِلْحنا/ من جُرْحنا).

وكأنَّ الشاعِرَ أراد للمُتوازيَيْن أن يلتقيا فجمع بين الأضداد، قائلا: من كلِّ شيءٍ، واخرجوا من مفردات الذاكرة. والملاحظ أنَّ تكرار النداء، وما يلازمه من طلب، صريح، أو غير صريح، تكرر عشرين مرة في القصيدة. وهذا التكرار يُضفي على الأسلوب صفة الانسجام النابع من تكرار المتماثل، والمتشابه، وما يوحي به هذا التكرارُ -في الوقت نفسه- من تنظيم موسيقيٍّ، وإيقاعيٍّ، مُتناسِق.

وقد أنشأ الشاعرُ في القصيدَةِ ضرباً آخر من التوازي يقوم على تَعْداد ما للفلسطينيين من حقوق في بلادهم، ووَطَنهم، مقابلَ نفْي هذه الحقوق عن الآخر الإسْرائيلي، تلميحاً، أو تصْريحاً. ففي النوع الأول يُكرِّر الشاعر: (لنا في أرضنا/ لنا ما ليس يرضيكم/ لنا في أرضنا ما نعمَلُ/ لنا ما ليس فيكم/ لنا الماضي هنا/ لنا الحاضرُ والمُستقبلُ/ لنا الدنيا هنا/ لنا صوتُ الحياةِ الأولُ/ ولنا الدنيا هنا والآخرة).

تقابل هذه التكْرارات ما يوحي به السياق لفظاً أو معنى: (ليس لهم ما يعملون/ ليس لهم ما يرضي/ ليس لهم حاضرٌ ولا مستقبلُ/ ليس لهم وطن ينزف شعباً/ ليس لهم حاضرٌ، ولا دنيا ولا آخرة).

وهذه التراكيب التي تقوم على المناوبة بين النداء، والأمر، والنفي والإثبات، متوازياتٌ تنْتَظمُ القصيدة من المطلع حتى «المقطع» الذي يُعدّ قفلة النصّ. وبين ذلك وذلك يكرر الشاعر نوعاً آخر من التوازي القائم على شبه الجملة؛ الجار والمجرور: منا/ ومنْكُم. وقد تكرَّر هذا اللون من التراكيب ثماني مرات:

(منكم السيف – ومنا دمنا

منكم الفولاذ والنارُ- ومنا لحمنا

منكمو دبابة أخرى – ومنا حجرُ

منكم قنْبلَةُ الغاز – ومنا المطرُ)ز

فثمة ثمانيةُ تراكيبَ: أربعةٌ في كل ناحيةٍ من الناحيتين، مما يضيف للقصيدة نسقاً آخَرَ من التوازي، يضاف له نسقٌ آخر يقوم على شبه الجملة أيضاً، في مثل: (من قمحنا/ من ملحنا/ من جرحنا/ من كل شيء). وبما أن الشاعر يحثُّ المخاطبين في القصيدة على المبادرة للنجاة بأنْفُسِهم، والانصراف، مُكرراً العبارة «انصرفوا» مراراً، لثقته بأن هذه البلاد (فلسطين) لا مقام لهم فيها على حساب أهلها الذين يملكون كلَّ شيء، سواءٌ على الأرض، أو في التاريخ؛ فإنَّ الشاعر، بالمقابل، يضمِّنُ القصيدة تراكيب قدَّم فيها ما حقَّه التأخير للدّلالة على أهميَّة المتقدم. ومن هذه التراكيب ما يأتي:

(منكم السيفُ/ منكمُ الفولاذ/ منكم الدبّابة/ منْكم القنبلة).

ففي كل هذه التراكيب يلحُّ الشاعرُ على تقديم الجار والمجرور، والمجرور هو الضمير الذي يعودُ على الآخر (العابرون) وبذلك يؤكد -دلالياً- أنَّ ما يجيءُ من هذا الآخر لا يتعدى الدمارَ والموت. وأما التراكيب الأخرى التي قدم فيها الخبر، وأخَّر ما حقه التقديم، وهو المبتدأ (لحمُنا، دمُنا، الحجَر، المطر)؛ ففي جلّ هذه التراكيب يجري التركيزُ ولفْتُ النظر إلى تضْحية الفلسطينيِّين بكلِّ شيء، وتعرُّضِهم لأقسى الأخطار، ومع ذلك لا يُحبطون؛ فهم يقاومون بالحجَر، ويحرثون الأرض، ويزرعون، وعليهم أن يحرسوا ورد الشهداء، وأن يعيشوا مثلما يشاؤون.

ومن المؤكد أنَّ الشاعر لجأ إلى تكرار فعل الأمر كثيراً: (خذوا، أعيدوا، كدّسوا، ادخلوا، اسْرقوا، وانصرفوا)، وغيرها الكثير مما لا حاجة بنا لذكره تفصيلا، فما الذي أضافه بهذه التكرارات للأسْلوب؟

إذا أمْعنّا النظر في التراكيب الفعلية لاحظنا أنها طلبيَّة في الغالب، وأنّ المطلوب أن يخرج المخاطبون، وهم «العابرون في الكلام العابر» من دائرة الفعل الذي يقومُ عليه النص، وهو مقاومة المحتل، وإذاً، فإنَّ إلحاح الشاعر على انصراف المحتلين، ورحيلهم، وما طلب منهم على سبيل التعْجيز تارةً، والإباحة تارةً أخرى (أعيدوا الهيكل العظمي للهُدهُد، أو اسرقوا ما شئتم، أو خذوا ما شئتم، أو خذوا حصتكم، وادخلوا حفل عشاءٍ راقصٍ وانصرفوا)، وتارةً (مرّوا أينما شئتم، وخذوا الماضي، وكدِّسوا أوهامكم في حفْرة، وأعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العِجْل المقدَّس)، وأخيراً: (موتوا، ولكن لا تموتوا بيْننا، واخرجوا من مفردات الذاكرة). فمنْ يتأمل هذه البنى المتكرّرة -نحوياً- يُلاحِظ أنها جميعاً تلحُّ على مضمون واحد للتراكيب، وهو أنْ يغرُب هؤلاء العابرون عن وجْه المتكلِّم، وهو مفردٌ بصيغةِ الجَمْع، وأن يذهبوا إلى الجحيم حتى وإنْ كان المقابلَ أن يأخذوا الماضي كلَّه، وأن يأخذوا كلَّ شيء.

وهذا التكرار -في الواقع- يُضْفي على القصيدةِ نَسَقاً مُوحداً، فالتوازي، والتكرار التركيبي، من أبرز مظاهر الأسلوب في هذه القصيدة، وهي مظاهرُ تُضفي عليها شيئاً من الانسجام والسلاسة، فضلا عن زيادة في تواتر المعاني الرامية لحمل المخاطبين على الانْصياع، أو على الأقل على الاقْتناع بضرورة الانتباه لما يطلقُهُ المتكلم من صرخات مدويَّة لها أثَرُ التَقْريع.

وإذا كانتْ التراكيبُ الفعْليّة -نسبةً إلى الفِعْل- تُتَرْجم لفظياً توتُّر الشاعر، وإلحاحَهُ المتواصل، فإن ما يقابل ذلك هو كثرة التراكيب التي ترسِّخُ حقوق المتكلم، وقوْمه، في البلاد التي يتنازع عليها طرفان، الأول -الإسرائيلي- وهو الذي ينبغي له أن ينصرف ويذهب، والآخر -الفلسطيني- وهو صاحبُ الحق، الذي: هو حارس ورد الشهداء، وهو صاحب الأرض: «ولنا في أرضنا ما نعْملُ/ ولنا القمْحُ/ لنا.. حجرٌ أوْ حجلُ»

فهمْ أصحاب المستقبل، والأرض، وهم أصْحاب الوطن النازف، وهم الشعب الذي يمتلك الذاكرة مثلما يمتلك النسيان، وهم أصحاب الحياة وصوتها الأول، أصحاب الدنيا والآخرة. جلُّ هذه التراكيب تحاولُ تثبيت صورة المتكلم الذي يتمسَّكُ بما هو حقٌ قُدُسيٌ له، وبعدم تخليه عن شيء، إلا إذا كان هذا الذي يتخلى عنه ثمنهُ رحيلُ الغزاة، وذهابهم إلى الجحيم. ثمنهُ خروجهم من دفتر الذاكرة، وكتابِ الكلمات غير العابرة.

على أنَّ المتأمل في القصيدة يرى فيها وجْهين متنافرين، سواءٌ في التكرار اللفظي، أو التركيبي، أو تنافر الاسمي والفعلي، على المستوى الوظيفي، وقد ألمحَ الشاعرُ لهذا في العنوان، فالعابرون -أي الذين يجتازون الشيء مروراً ثم يتلاشى أثرهم منْ غيْر لُبْثٍ، ولا رَيْثٍ، وتنْطمِسُ معالم ما فعلوه- هم الغزاة المحتلون، وأما الكلامُ العابر، فهو الكلام الذي يُنسى بسرعة، ولا يُبْقي أثراً. فالتنافُر، إذاً، نابعٌ من أن هؤلاء العابرين يمرون في شيء هو الوطن الذي اعتدوا عليه، واحتلّوه، بينما يُعَدُّ ما تركوهُ، بسبب ذلك،كالكلام العابر، السريع، الذي يكادُ لا يُسمع، ولا يُقال، فهو كلامٌ أشبه بالشيء الفارغ -لغوٍ- عديم الفحْوى. وهكذا يلمِّح محمود درويش من خلال هاتين الكلمتين لمسارات القصيدة المتعدِّدة على مستوى التراكيب المتنافرة تارةً، والمتوازية تارةً، والمتكرِّرة تارةً أخرى.