تكتسب كثير من القرارات والإجراءات والممارسات بعض معانيها وأبعادها من الوقت الذي تتخذ أو تجري فيه، وقد تكون هذه المعاني والدلالات سلبيّة أو إيجابية، لكنها لا تنفصل بأي حال عن توقيتها، فالابتسامة لمن يحقّق نجاحاً تعني شيئاً من التشجيع له، وهي لليتيم تدلّ على التعاطف معه، إلاّ أنّها تكون في مواجهة إنسانٍ غاضبٍ ومنفعل ضرباً من السخرية منه والاستخفاف به والتقليل من شأنه، وتكون أمام شخص يعاني من مصيبة مرض أو موتٍ أو فقد دليلاً على أنك لا تتعاطف معه.

وهذا يعني أن بعض التصرفات مهما صغرت أو كبرت تحمل رسائل غير مباشرة لمن يتعامل الشخص معهم، وقد يكون بعض هذه الرسائل مقصوداً وقد يكون بعضها غير مقصود، لكنّ ذلك لا يعفي مرسلها من المسؤولية. فعندما يقوم مدير مؤسسة ثقافية -مثلاً- بعقد ندوة عن حقوق الإنسان في الوقت الذي تقوم فيه مؤسسة أخرى قريبة من المكان بعقد ندوة مماثلة، فإنّ لذلك معنيين لا ينفصل أحدهما عن الآخر، أولهما أنّ هذا المدير عقد ندوة عن حقوق الإنسان، وثانيهما أنّه أراد أن يفسد على جاره ندوته لأنه ينافسه ولأنّ العلاقة بينهما ليست ودّية، وقد يكون هذا المعنى الثاني غير مقصود، إلا أنّ ذلك لا يعفي من أقدم على ذلك من المسؤولية في ظهور هذا المعنى الجديد إلى جانب المعنى الأصلي.

وعندما يقوم متعّهد أو مقاول بعمل حفريّات وإغلاق الطريق أمام منزل أحد الأشخاص في الوقت الذي يكون فيه هذا الأخير يستعدّ لإقامة حفل زفاف لابنه في منزله، فإنّ ما يفعله هذا المتعهد له معنيان:

الأول أنّه يريد أن يقوم بعمله في التمديدات أو الإصلاحات أو غير ذلك، والثاني أنّه يريد أن يعيق وصول الضيوف إلى المنزل المستهدف لأنّه يبغض صاحبه لسبب أو لآخر.

وعندما تقوم مؤسسة خدميّة أساسيّة برفع أسعار الخدمات أو المواد الأساسيّة التي يحتاج إليها المواطن قبيل وقت قليل من حاجة الناس إلى تلك المواد والخدمات والإقبال عليها، فإنّ لذلك معنيين لا ينفصل أحدهما عن الآخر، أوّلهما أنّ تلك المؤسسة أو الشركة تريد رفع أسعارها أو أجور خدماتها، وثانيهما أنها تريد ابتزاز الناس واستغلال حاجتهم إلى خدماتها لتحقيق مزيد من الربح والإيرادات.

ولكنّ من أخطر صور سوء التوقيت أن يقوم شخصٌ بضرب أخيه في الوقت الذي يكون عدوٌّ مشترك لهما يقوم بالاعتداء على ذلك الأخ، فإنّ لهذا معنيين أولهما أن نزاعاً شجر بين الأخوين دفع بأحدهما للإقدام على ضرب الآخر، وقد يكون في فعله هذا على حقّ، والمعنى الثاني أنّ الأخ الذي يقوم بضرب أخيه قد تحالف مع العدوّ ضدّ الأخ الذي يتعرّض للضرب، ولا يعفي الأخ الذي يقوم بالضرب من المسؤولية الأخلاقية أنّه يملك الحقّ في ضرب أخيه.

وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الدول أيضاً، فإنّ من قصر النظر وغياب الحكمة والجهل بالسياسة، أن تقوم دولةٌ بالاعتداء على دولة شقيقة أو صديقة أو معاقبتها في وقت تتعرّض فيه هذه الدولة الشقيقة لعدوان غاشم من عدوّ مشترك، إذ لا يمكن فهم ذلك إلاّ على أنه تحالف أو تواطؤ مع العدوّ ضدّ الدولة الشقيقة أو الصديقة، مهما كانت مسوّغات هذا العمل غير الحكيم.

إنّ اختيار الوقت المناسب للقيام بأي عمل هو شرط من شروط سلامة النتائج وابتعادها عن الشبهات وفهمها على الوجه الصحيح. كما أنّ على الأفراد والدول أن يدرسوا أبعاد أيّ عمل يقومون به قبل الإقدام عليه.

salahjarrar@hotmail.com