آخر الأسبوع - وليد سليمان

قبل أيام قليلة وفي هذا الشهر شباط–دخلنا في فترة «سعد السعود» التي تُعتبر من فترات خمسينية الشتاء الحالية.

وفصل الشتاء الممطر والبارد في الأردن ينقسم عادةً الى: المربعانية أي 40 يوماً، ثم الخمسينية أي 50 يوماً.

ومن الناحية الفلكية فإن ظاهرة السعود تعود إلى ما يعرف بـالخمسينية التي تُقسم على 4 فترات زمنية هي (الذابح، البالع، السعود، الخبايا). فيكون كل سعد مدته تقريباً 12،5 يوم.

الفترة الأولى: سعد الذابح من 1 شباط وحتى 13 شباط.

الفترة الثانية: سعد بلع من 13 لغاية 24 شباط.

الفترة الثالثة: سعد السعود من 25 شباط إلى 9 آذار.

الفترة الرابعة: سعد الخبايا من 9 آذار لغاية موعد الانقلاب الربيعي في 20-21 آذار.

ومع انتهاء خمسينية الشتاء، يبدأ فصل الربيع فلكياً، وتعتدل الأجواء تدريجيا وصولاً إلى الانقلاب الصيفي.

من هو سعد؟!

تقول الحكاية الشعبية عن قصة رجل يُسمى (سعد) كان ينوي السفر بعيداً في فترة خمسينية الشتاء.. فنصحه أبوه أن يتزود بفراء وبقليل من الحطب إتقاءً لبردٍ محتمل.

فلم يسمع سعد نصيحة أبيه ظاناً أن الطقس لن يتغير كثيراً أثناء رحلته، وكان في ذلك الوقت دافئاً الى حدٍ ما.

ولكن ما أن بلغ سعد منتصف الطريق إلى حيث يقصد حتى اكفهرت السماء وتلبدت بالغيوم وهبت ريح باردة وهطل المطر والثلج بغزارة، ولم يكن أمامه سوى ذبح ناقته–حتى لا يموت- وهو كل ما كان يملك !! حتى يحتمي بأحشائها من البرد القارص، لذلك ذبح ناقته (سعد الذابح).

وبعد أن احتمى في أحشائها من البرد، دب الجوع في سعد و لم يجد أمامه سوى أحشاء الناقة ولحمها للأكل وهكذا كان(سعد بلع).

وبعد أن انتهت العاصفة و ظهرت الشمس خرج سعد فرحاً من مخبئه وفرحاً وسعيداً بكتابة الحياة له مجدداً (سعد السعود).

وحرصاً منه على متابعة طريقه دون مشاكل قام بصنع معطف له من وبر الناقة، وبحفظ وتخبئة بعض اللحم المتبقي من الجمل وتبريده بواسطة الثلوج، وهكذا كان(سعد الخبايا).

السعود عند الفلاحين

ويعتبر سعد الدابح كناية عن البرد الشديد الذي يحدث في فترته، ويُعبّر عنه بالمثل الشعبي «سعد دبح كلبو ما نبح وفلاحو ما فلح وراعيه ما سرح».

أما سعد بلع فسمي بهذا الاسم لأن الأرض فيه تبتلع ماءها، فتفيض الأنهار وتمتلئ الآبار، ويقال في المثل الشعبي: «بسعد بلع بتنزل النقطة وتنبلع».

ويأتي سعد السعود ليَكسِر الجو برودته ويميل إلى الدفء.. لذا قال الناس قديماً: «بسعد السعود بتدب الماوية بالعود وبيدفي كل مبرود».

وفي سعد الخبايا تزهر الأشجار وتسرح الحشرات والأفاعي، ويدب في الأرض ربيعها «بسعد الخبايا بتطلع الحيايا وتتفتل الصبايا».

وتُعرف آخر أربعة أيام من شباط وأول ثلاثة أيام من آذار باسم (المستقرضات) وسميت بهذا الاسم لاستقراض شهر شباط، والذي يعتبر أقصر شهور العام من شهر آذار كي يطول وقت نزول المطر.

وتسمى هذه الأيام السبعة أيضاً «أيام العجوز» لأنها تقع في آخر الشتاء، ويكون البرد في أشده والأمطار غزيرة، وفي المثل الشعبي قالوا :» قال شباط لآذار ثلاتة منك وأربعة مني لنخلي العجوز تولي».

الأيام الحسوم

وتنتهي خمسينية الشتاء بِـ«الأيام الحسوم» والتي تبدأ من 11 آذار، وقيل في مدتها أنها 6 أو 8 أيام، وسُميت بذلك كونها أياماً ذات برد وريح شديدة.

ويُحكى في تقسيم الشتاء عن «سقوط الجمرات الثلاث»، أنه تسقط الجمرة الأولى في 20 شباط، وهي جمرة الهواء، فيشعر الناس بدفء الهواء.

بينما تسقط الجمرة الثانية في 27 شباط وهي جمرة الماء، فيشعر الناس بدفء الماء، والثالثة في 6 آذار وهي جمرة الأرض، فيشعر الناس بدفء الارض.

وما تزال التسميات الموروثة للفصل الشتوي تعتبر روزنامة للفلاحين، ومازال المزارعون يبرمجون أعمالهم في الحقول بحسب تلك التسميات التي سبقت التسميات الهجرية والميلادية للأشهر.

سعد وحكايات أخرى

وقيل أيضاً قديماً في التراث الشعبي العربي:

أن رجلاً اسمه سعد سافر في الأول من شباط.. وعندما اشتد البرد ذبح ناقته واحتمى بجلدها حتى انتهى البرد، فيما لم يقبل من رافقه فعل الشيء نفسه، وحافظوا على قطعان إبلهم، فجرتهم مياه الأمطار في الوديان، فيما ظل سعد على قيد الحياة.

ومن روايات أخرى جاء فيها: أنَّ جماعة من البدو خرجوا للصيد في عهد بني أمية في خمسينية الشتاء، وتعرضوا لمطر وابل أهلك معظمهم، ولم ينج منهم إلا القليل، ومن بينهم رجل اسمه سعد.

ولما عادوا إلى مضاربهم سأل أبو سعد عن ابنه فقالوا له: سعد ذبح ناقته واختبأ بها.. ثم ابتلعت الأرض الأمطار.. فأفرجت وخرج سعد من مخبئه ومن هنا جاءت التسمية.

مع جلد البقرة

وهناك حكاية أخرى تقول:

إنه في قديم الزمان خرج شخص من منزله ويدعى (سعد) إلى الحقل برفقة بقرته، وفي هذه الأثناء هبت عاصفة قوية وبرد قارس مع ثلوج غزيرة فلم يستطع سعد العودة إلى بيته.. فحزنت أمه كثيرا، فقال لها والده: لا تحزني، وتأكدي أن سعداً إذا ذبح فلن يُذبح!!! وإن لم يذبح فسيُذبح!!! وفعلاً عاد سعد بعد فترة إلى منزله وهو متلحف بجلد البقرة.

وهكذا فإن هذه الحكايات جاءت بناء على انقلاب أحوال الطقس، فسعد الذابح يعني القاسي لأنه معروف بشدة برودته، وسعد بلع لأن الأرض تبلع مياه الأمطار أو بسبب جفاف المياه بفعل الرياح، وسعد السعود بسبب بدء ارتفاع حرارة الجو، وسعد الخبايا تخرج الحشرات بعد السبات الشتوي.

وفي الأمثال الشعبية قالوا عن السعود:

- سعد ذابح ما بخلي كلب نابح.

أما سعد بلع فقالوا فيه: بسعد بلع لا زرع ولا قلع.. وبسعد بلع السما بتشتي والأرض بتبلع.

وعن سعد السعود قالوا فيه: بتتحرك الميه في العوده.

وعن سعد الخبايا قالوا: بسعد الخبايا إشلح الفروة وإلبس العبايه.