أبواب - غدير سالم

يعكف بعض الأزواج بعد وقوع الطلاق على بذل الكثير من الجهد لفضح أسرار الطرف الآخر وتشويه سمعته كنوع من أنواع الانتقام بعد الانفصال واستعادة جزء من الكرامة المفقودة كما يعتقدون، وقد يعد ذلك مرحلة لعدم الإستيعاب النفسي لما بعد الطلاق، وقد يجد فيها الطرفان متنفساً لهما ولكسب مزيد من تعاطف الآخرين وربما لتحطيم حياة الآخر بعد أن دمر حياتهم أصلاً ووصمهم بالمطلق أو المطلقة.

يقول أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة البلقاء التطبيقية الدكتور محمد الهواري :«الأصل في الزواج تحقيقه للسكن والمودة والرحمة مصداقاً لقوله تعالى (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ازواجاً لتسكنوا اليها، وجعل بينكم مودة ورحمة)، وتأليفه بين الأسر المتصاهرة، والأصل في الزواج التأبيد والديمومة والاستمرار».

ويضيف :«إلا أنه لظروف واعتبارات تخص الزوجين يصبح استمرار الزواج لا يؤدي ثماره المرجوة منه فشرع الإسلام الطلاق علاجاً للمشكلات الطارئة على الزوجين التي لا يمكن مع وجودها بقاء أسرة متماسكة تؤدي وظيفتها على الوجه الذي أرادته الشريعة الإسلامية من تشريع الزواج، ولم يجعله طريقا لإلحاق الأذى بالزوجين وأفراد الأسرة».

ويتابع :» وقد حَض على أن يكون بالمعروف فقال الله تعالى ( الطلاق مرتان إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، وحث على إعطاء المتعة للمطلقة تطييباً لخاطرها فقال الله تعالى (وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين)، وقال تعالى (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره حقاً على المحسنين) وهذ يدل بوضوح على أن العلاقة الاجتماعية بين الأزواج المنفصلين عن بعضهم وأسرهم لا تنتهي بمجرد الطلاق فهناك الكثير من الأحكام الشرعية التي تستمر بعد الطلاق مثل الحضانة، والرضاعة ، الا أن هذه الصورة الجميلة للطلاق يعمد بعض الأزواج ذكورا? وإناثاً على تشويهها بإذاعة الأخبار السيئة عن بعضهم بقصد الإساءة على سمعة كل منهما والتقليل من قدره وقيمته بين الناس وهو ما يعرف بالتشهير».

ويرى الهواري أن: «ما يقوم به بعض الأزواج من إذاعة الأخبار السيئة مرفوض عقلاً وشرعاً، فالعقل السليم يوجب عدم إفشاء السر وبخاصة أسرار الزوجية لآثاره السلبية على الأفراد والمجتمع، والشرع الحكيم أوجب عدم إيذاء الآخرين، والاساءة اليهم لأن ذلك يشيع الفاحشة بين المؤمنين، وهو أمر خطير يلحق الضرر والأذى بالأفراد والمجتمع فنهى عنه الشرع، قال الله تعالى (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنو لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضة) ويقول الرس?ل صلى الله عليه وسلم ((ان من اشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي الى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها)) وقوله صلى الله عليه وسلم ((لا ضرر ولا ضرار))».

ويضيف الهواري :«وهذه الأدلة تبين بجلاء ووضوح أن ما يقوم به الأزواج من التشهير ببعضهم

يعد حراماً شرعاً، والنتائج المترتبة على هذا التشهير سيئة منها ما يرجع الى الزوجين بحيث يفقد الناس الثقة بهما، ولا يتعاملون معهما وقد يؤدي الأمر الى عدم تزويجهما فيما بعد، ومنها ما يرجع الى أسري الزوجين حيث ينظر الناس الى هذه الأسر نظرة ريبة وشك في قدرتهما على حسن تربية أولادهما، ويؤدي ذلك الى عزلة هاتين الأسرتين، وفي هذا ضرر عظيم».

ويضيف :«ومنها ما يرجع إلى الأولاد بحيث يُعيَرون من جهة الأم ومن جهة الأب، ويفقدون الثقة في أنفسهم والآخرين، وبخاصة إذا امتنع الناس عن مصاحبتهم أو الزواج منهم، وقد يؤدي ذلك إلى انحراف الأولاد، وقد يؤدي هذا التشهير إلى أعمال عدائية بين الزوجين تصل إلى القتل أحياناً الأمر الذي يعمل على زيادة الجريمة في المجتمع، وختاماً فإن الواجب التقيد بأوامر الشرع التي تحث على الاحترام المتبادل بين الناس وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)».

وتقول الاستشارية التربوية والأسرية رولا خلف :«الكثير من الأزواج الذين انفصلوا عن بعضهم لا يتعاملون بشكل صحيح مع مشاعرهم وتجاربهم ما بعد الطلاق، مع العلم أنهم هم من اتخذوا هذا القرار وكان هو الخيار الأمثل بالنسبة للطرفين، ولكن ربما يؤدي إلى مشاعر قاسية مثل القلق والاكتئاب حيث أن الكثير منهم تعرضوا إلى معاملة مهينة من قبل بعضهم مما سبب الضرر والأذى النفسي لهم وأدى إلى تفكيك العديد من العلاقات الودية والتشهير ببعضهم البعض، فالتشهير وإفشاء الأسرار الخاصة واحدة من المشكلات التي تدمر كل علاقة بينهم وما كان بينهم?من حب وألفة ومودة، وتدمر الأبناء».

وتضيف :«فالمرأة ما أن تحصل على قسيمة الطلاق حتى تبادر بالإساءة لزوجها فتذيع الفضائح وتنشر الأسرار وكذلك الرجل، ومشكلة إفشاء الأسرار الزوجية والتشهير بعد الطلاق قضية من القضايا التي تملأ المحاكم وتزيد الخلافات ما بعد الطلاق».

وتتابع :«الطلاق في بعض الحالات يسبب معاناة كبيرة للطرفين، ومعاناة الأطفال أكثر وأعمق فما ذنب الأبناء أن يخوضوا تجربة نفسية قاسية تؤثر على شخصياتهم وتفسد حياتهم في المستقبل، خاصة بعد التشهير بالأم أو الأب وينعكس عليهم سلباً، بالإضافة إلى الآثار الإجتماعية والنفسية ويمكن أن يؤدي إلى انحراف الأبناء».

وترى خلف :«الضرر من وراء التشهير كبير وأحياناً تُتهم الزوجة بالخيانة أو أنها على علاقة برجل آخر فيسيء إلى سمعتها ويؤثر على نفسيتها وعملها، عدا عن الفضيحة أمام الناس، وهناك بعض الرجال يقومون بنشر الصور وتهديد الزوجة مقابل التنازل عن النفقة وحقوقها، فيقوم باستغلالها من هذه النواحي، فأشكال الانتقام متعددة وكثيرة فهو يعتبر نفسه مظلوما خاصة عندما تطالبه الزوجة بحقوقها الشرعية فيعطي الحق لنفسه بتدميرها بدافع غيرته أو كراهيته وهذا ما يحدث مع الرجال أيضا فتضر الزوجة زوجها وتبدأ بالتشهير به وبأهله واتهامه بالخيانة ?السب والشتم ويؤثر سلباً على أولادها».

وتبين :«وفي الوقت الحالي أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءا لا يتجزأ في التشهير بالزواج عن طريق الفيس بوك والانستجرام وغيرها وتزيد من الإشاعة سواء كانت صحيحة أو كاذبة وبالطبع سرعان ما تنتشر هذه المعلومات وتصبح جريمة يعاقب عليها القانون».

وتوضح خلف:«وأعتقد أن الأسباب التي تؤدي إلى التشهير هي ضعف الوازع الديني، بالإضافة إلى تصفية حسابات بين الزوجين، عدا عن فقدان الأمان الأسري، والهروب من النفقة، وعدم التعامل مع القضية بسرية تامة حفاظاً على الأعراض، فأخلاقيات الشخص وفهمه للطرف الأخر والتركيز على إيجابياته والحفاظ على أسرار كانت بين الطرفين هي أساس الحفاظ على العلاقة بالطريقة الصحيحة، وتساعد الزوجين على إقامة علاقة قائمة على الاحترام والمودة حتى ما بعد الطلاق وخاصة إذا كان هناك أبناء بين الطرفين، وكم من أزواج علاقتهم بعد الطلاق كانت أفضل من ال?يش في بيت واحد».