وقفت في المقال السابق عند تعطل حافلة النقل التي تقل الحجاج الذين كنت اشرف عليهم في الطريق، كانت الساعة الواحدة ليلاً والشهر كانون الثاني وبرد الصحراء قارس ودرجة الحرارة تقترب من الصفر، ركبت في الحافلة التي سحبت الباص، كانت تقذفني يمنة ويسرة إلى أن وقفنا عند مقهى في الطريق الصحراوي، ذهبت وراء المقهى واحضرت عدداً من الكراسي القديمة و اشعلتها، كنا نتدفأ من الأمام ومن الخلف لا نحس بالدفء، فنعكس الوقوف وهكذا، ثم اضطررت إلى الركض مسافة لا تقل عن كيلومترين حتى يسري الدم في عروقي، وعند بزوغ الشمس ركبنا الحافلة المعطلة حتى عمان، ونزلنا عند المدرج الروماني، فأعطيت لنفسي العذر أن افرغ ما في نفسي على الناقل الذي جاء بمثل هذه الحافلات القديمة، ناهيك أنه لم يراع شعور الحجاج حتى في اكتمال الشعائر بطريقة شرعية، وهكذا هو الحال منذ ذلك الوقت مع كثير من شركات نقل الحجاج. في هذه الفترة كنت اخطب في معظم مساجد السلط، وكان عددها قليل مسجد الجدعة الرئيس، ثم مسجد العيزرية، ثم مسجد الميدان وأحياناً في المسجد الكبير، وكان جمهوري يتبعني اينما خطبت في المساجد، لم يكن هناك سقف لخطبة الجمعة، ناهيك على أنها لم تكن موحدة، وإنما تعالج الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والتربوية لذلك كان الحماس في الخطبة

والجمهور على درجة عالية، ودرجة الوعي أيضاً في مستوى عال والاهتمام بالقضايا المحلية والعربية والاسلامية على درجة عالية.

سأتحدث عن تجربة لم أكتب عنها سابقا ولم أنوه عنها وهي الانخراط في العمل الفدائي الحقيقي عن رغبة وقناعة، أو ما أطلق عليه في حينه (قواعد الشيوخ) وبما أنني لم يعد لي أي علاقة مع الجهات التى أشرفت في حينه على هذا العمل، فإن الحديث عنها يصبح من باب التاريخ، وتأكيد لنظرة جيلنا الى القضية الفلسطينية ووعينا وفهمنا بعلاقتنا مع بلدنا وموطننا الأردن الذى لا نساوم عليه كابناء بلد، ولكنه رديف حقيقي للقضية الفلسطينية.

كان المعسكر الرئيس في منطقة الأزرق، انتقلت بنا الحافلة من عمان وكان جيب لاندروڤر، وكان معي في الحافلة حمزة منصور، وصلنا الأزرق وتوزعَنا على الخيام، كان مسؤول المعسكر مصري (أبو خليل) و(أبو جهاد) وكان معي في الخيمة محمد صيام، وعبدالله عزام، كان البرد قارساً في الأزرق والطعام نصف رغيف، كانت حراستي في الليل على الخيام، ولشدة البرودة لجأت الى وضع اقدامي في مياه البركة التي كانت اكثر سخونة من الجو حيث كان المطر ينزل رذاذاً، يبتل الجسم، ويأتي الهواء ليزيد الطين بلّة. مشينا مسيرة لمدة (٨٠) كلم، وكانت الطائرات الإسرائيلية تحوم في الجو، وللحديث بقية.. .