كما اعتاد عليه أبناء الوطن الذين كاشفهم وصارحهم وكان معهم على أقصى درجات الوضوح منذ اليوم الأول لتسلمه سلطاته الدستورية، وكلما احتاج الأمر إلى قول ملكي حازم وقاطع ليقطع دابر الجدل الذي يشغل أوساطاً سياسية واجتماعية وعشائرية، حسم جلالة الملك عبد الله الثاني خلال لقائه رؤساء السلطات التنفيذية والتشريعية ونائب رئيس المجلس القضائي ورئيس مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب، موضوع الانتخابات النيابية وحدد وقت إجرائها في الصيف المقبل، فكان النطق الملكي بمثابة القول الفصل الذي لا يحتمل معه أي قول أو تفسير أو تأويلات أخرى وباتت الرؤية واضحة في معالمها وأعلن الملك للناس أن بوصلة الإصلاح السياسي تسير حيث يُراد لها.

يختار جلالة الملك التوقيت المناسب للقاء أهم الأركان المعنية بإدارة الملف الانتخابي ويضعها أمام مسؤولياتها لتبدأ على الفور اتخاذ كافة مستلزمات إجراؤها من كافة النواحي الإدارية والفنية والإعلامية حتى تأتي الانتخابات على قدر مطامح جلالته الذي يريد مشاركة واسعة من كافة شرائح المجتمع بلا استثناء مما يضاعف من حجم المهمة المناطة بالجهات المشار إليها والتي تتقدمها الهيئة المستقلة بلا منازع وهي تعلم تماماً أن الوقت يمضي كالسيف وليس فيه متسع لتضييع دقيقة واحدة بلا عمل، فالانتخابات تمثل إرادة ورغبة ملكية لا يقبل أي منا معها إلا أن تأتي على أفضل وأتم حال وبمنتهى الحياد والدقة والتنظيم.

الحسم الملكي باتجاه ملف الانتخابات يؤكد بما لا يدع للريب مجالاً أن الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، في نظر القائد يشكل الركيزة والأرضية الراسخة لبناء الأردن العزيز القوي بمجموع طاقات شعبه وقدراته، وان النهج الديمقراطي المستند إلى قواعد راسخة من الحرية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان هي خيارات ملكية لا رجعة عنها لمواصلة المسيرة ومواجهة التحديات والإقدام على التحديث والتطوير، والتغيير نحو الأفضل، بثقة وتفاؤل، وتجاوز حالات التشاؤم والسوداوية، والخوف من التغيير، أو الانتقاص مما تحقق لهذا الوطن، أو سيتحقق له في المستقبل إن شاء الله.

إذاً: يعوّل جلالة الملك على الاستحقاق الدستوري المتمثل بالانتخابات النيابية المقبلة لما للسلطة التشريعية من مسؤولية عظيمة في تشريع القوانين والأنظمة الضابطة للحياة، ويريدها جلالته انتخابات حرة نزيهة يتمخض عنها مجلس نيابي قادر على تحمل أعباء المرحلة المقبلة، وفي ذلك إدراك ثاقب لأهمية المرحلة التي تقتضي وعياً وإيماناً عميقين وتأييدا للموقف العاقل المسؤول الذي يزن مصلحة الوطن ويقدمها على أي اعتبار آخر.

بين عامي تسعة وتسعين وألفين وعشرين مسيرة حافلة في عهد الملك المعزز، تواصلت فيها الانتخابات النيابية ولم تنقطع البتة منذ افتتح جلالته أعمال الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة الثالث عشر في الأول من تشرين الثاني إلى أن جرت أول انتخابات نيابية في عهده في العام ألفين وثلاثة ميلادية وصولاً لانتخابات المجلس الثامن عشر التي شهدها أيلول من العام ألفين وستة عشر، وكلُّ ذلك يعطي حقيقة واحدة جوهر مضمونها وضوح رؤية الملك إلى أين يريد أن يصل بهذا الوطن. فعلى بركة الله.

Ahmad.h@yu.edu.jo