... أريد أن أكتب عن النسوان... أنا ما زلت أؤمن بهذا المصطلح...

كان هنالك الكثير من النسوان في حارتنا، والكثير من الأرامل... وكن يقمن بإرسالي وأنا في أوج صباي إلى السوبر ماركت، من أجل شراء (الكركم).. وأحيانا (ماجي).. وفي بعض المرات كنت أشتري (الملح)..

ولأن بعض الصبية كانوا يرفضون هذه المهمات، كنت أنا ومن قبيل الأدب الجم الذي أتحلى به، أقبل بها..وفيما بعد أصبحت (ديلفري) لجميع الأرامل في الحارة... وكنت أحظى بدعوات كثيرة من شاكلة: (الله يرضى عليك يا خالتو)..

النسوان كن مختلفات جدا، عن نساء اليوم... كن يمارسن شطف الدرج، وأتذكر أم مصطفى، كنت أشعر حين أشاهدها وهي تقوم بالشطف، كأنها في مناورة للقوات الخاصة، كان الماء حين تقوم بقذفه عبر (القشاطة).. ينطلق لمسافة (9) أمتار.. حتى في الطناجر كان هنالك (بركة).. لم نكن نعرف (بيف سترغانوف) وفي الحارة لم يكن لدينا طبخة اسمها (فوتو تشيني).. كانت المحاشي تتسيد كل شيء.

لا أنسى الهيبة، التي كانت تحيط بهن... فحين تندلع جلسة (لتلقيط) الملوخية، تشعر بأن ثمة اجتماعاً على مستوى مجلس الأمن القومي، وحوارات وضحكات من القلب.. وتشعر بأن براكين من الحنان تفجرت.

أنا منحاز للنسوان، وأكره لقب مدام... وفي ظل حجم المؤتمرات التي تنعقد من أجل المرأة، والتي تهدف إلى تمكين المرأة، وتشغيل المرأة.. وزج المرأة في سوق العمل، وحقوق المرأة... وواقع المرأة، واتحادات المرأة.. لم أشاهد مؤتمرا واحدا يتحدث عن النسوان.. بمعنى أني لم أسمع بمؤتمر يتحدث عن المرأة في المنزل.. عن الأمومة، عن الحب.. وعن الزوج والأولاد.

للعلم الشهداء الذين سقطوا في باب الواد، وفي الكرامة، وفي حروب الدفاع عن أحلامنا ووجودنا... الشهداء، الذين سقطوا أيضا في مواجهة الإرهاب.. وفي حروب الدولة ومعاركها، أنجبتهم (النسوان) اللواتي انشغلن.. بالمنزل والأولاد واللواتي زرعن الحب في حواف الطناجر، وحواف الشبابيك.. وفي عيون الأولاد...

كلما عادت بي الذاكرة، تمنيت لو يعود الزمن.. كي أحضر (الكركم) من الدكانة القريبة لجارتنا (أم محمود) وأحظى منها بالدعاء: (الله يطول عمرك يا خالتو)... كان ذلك الدعاء أهم توصية، لأعظم مؤتمر عقدته النسوان في حارتنا.. وهو مؤتمر الصبر والرضا والحب...

نسوان... فقط لدي حنين للنسوان.. فكل واحدة منهن كانت وطنا بمعنى الكلمة.

Abdelhadi18@yahoo.com