أبواب - وليد سليمان

مقهى زهران في عمان برأس العين يُعد من أعرق مقاهي عمان القديمة.. كما المقاهي الأخرى في وسط البلد مثل: كوكب الشرق, والسنترال, والأوبرج, وبلاط الرشيد...الخ.

قبل سنتين تم إقفال مقهى زهران العريق بتاريخه الاجتماعي والثقافي والفني, وذلك بسبب طلب الإخلاء من مالكي العقار!.

لكن أبناء «عليوه» وحرصاً على رواد مقهاهم الشهير والقديم منذ الخمسينيات قاموا بعد شهور قليلة بإستئجار مكان آخر لإعادة إحياء مقهى زهران مرة أخري تحت اسم » مقهى وئام زهران» والذي يبعد عن القديم حوالي 100 متر باتجاه رأس العين.

فمقهى زهران كان وسيبقى شاهداً على تاريخ حميم وزمن جميل في العاصمة عمَّان, وذلك عبر الأحداث والشخصيات والتطورات الحضارية التي كان مقهى زهران شاهداً عليها .

فهذا المقهى لمؤسسه الراحل محمود عبد القادر والشهير بِ (عليوَه) كان يندمج مع زوارعمان قديماً وهم الحجاج القادمين عبر الاردن وعمان لأداء مناسك الحج في مكة المكرمة.

رأس العين في الخمسينيات

وكان هؤلاء الحجاج من غير العرب مثل الأتراك واليوغسلافيين والبوسنيين في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ينصبون خيامهم البسيطة في الساحة الترابية القريبة من مقهى زهران برأس العين بعمان.

وكانوا يشربون الشاي والقهوة والماء البارد من مقهى زهران..عدا عن عقد العلاقات الانسانية والدينية التي كانت تتم ما بين مواطني منطقة رأس العين والمهاجرين من جهة والحجاج الذاهبين الى مكة بالباصات والشاحنات.

ومقهى زهران الذي تم افتتاحه في أوائل خمسينيات القرن الماضي, وكان يقع أمام مباني قاعة عمان وأمانة عمان الكبرى الجديدة الآن، شهد قديماً بعض مجالس الصلح العشائري من جاهات وعطوات في قاعة هذا المقهى الشاسع.

وعن بدء إنشاء هذا المقهى فقد كان «عليوه أبو العبد» صاحب المقهى يعمل قديماً موظفاً بسيطاً في العام 1948 في المقهى الشهير والذي اغلق مؤخرا (مقهى الجامعة العربية) الذي كان يقع امام المسجد الحسيني.

وكان عليوه قد أطلق على مقهاه في البداية اسم (مقهى الفردوس) ولكنه بعد سنوات وتيمناً باسم قصر زهران غيَّر اسم مقهاه الى مقهى زهران الذي كان يرفع شعاراً وبالخط العريض على لافتة المقهى جاء فيها «مقهى زهران ملتقى للأحبة والاصدقاء وأهل الثقافة الكرام».

ملوك ورؤساء وأمراء وشخصيات شهيرة

وليس من المستغرب أن نعرف أنَّ جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال كان في ستينيات القرن الماضي قد ارتاد هذا المقهى عدة مرات, وكان ممن يرافقه آنذاك بعض رؤساء الوزارات السابقين مثل: بهجت التلهوني, والأمير زيد بن شاكر, وعصام العجلوني أمين عمان سابقاً.

كما انَّ سمو الامير الحسن بن طلال كان من رواد هذا المقهى الجميل والهادئ–قبل نحو 20 سنة, حيث ارتاده سموه عدة مرات مسترخياً مع نفس من الأرجيلة, يشاهد باستمتاع بعض رواد المقهى العاديين وهم يمارسون لعبة طاولة الزهر.. فقد كانت في المقهى صورة كبيرة لسموه وهو يجلس شاهداً على ألفة عمان وألقها الشعبي.

ومقهى زهران تنوع رواده من رجالات الدولة الأردنية وشيوخ العشائر والسياسة والاقتصاد, ومنهم مثلاً: المشير حابس المجالي, الشيخ برجس الحديد, الشيخ سامي مثقال الفايز, الشيخ عاكف الفايز, الشيخ شبلي المجالي, المهندس نضال الحديد, الشيخ علي شاهر الفايز, سليمان ارتيمية, الشيخ مروان العبدالات, ابراهيم العرموطي, عطا علي, أبو فاروق عز, المختار أبو ماهر, حسام صندوقة, أسامة أبو فارس, علي المعلواني, سلامة أبو الرب... وغيرهم.

حتى ان الراحل العقيد معمر القذافي زار هذا المقهى خلال تجواله في عمان عندما زار الأردن عام 2000.

فنانون ومبدعون

ومن الشخصيات الشهيرة الأخرى التي ارتادت مقهى زهران قديماً هناك شخصيات فنية أخرى من اردنية وعربية مثل الفنانين: سمير غانم، شعبان عبد الرحيم، سيد زيان، محمد نجم، ربيع شهاب، انطون شمعون عازف الكمان الشهير والذي كان يقطن بالقرب من المقهى.

وكذلك ايضاً مطرب الرجولة الشهير فهد بلان, الذي كان يعمل في عمان في سوق السكر وذلك قبل احترافه وشهرته بالغناء ورحيله عن الاردن!.

وكذلك جلس في هذا المقهى القديم في سنوات سابقة كل من الفنانين المعروفين :عادل امام, والمطرب محرم فؤاد، والفنان الكوميدي محمد رضا, والفنان احمد زكي, والمطرب فؤاد حجازي. والموسيقار جميل العاص.. ومن شخصيات عمان السياسية المعروفة د. ممدوح العبادي والذي كان يرتاده باستمرار قديماً أيام الشباب.

حتى انَّ بعض المسلسلات التلفزيونية والأفلام الأردنية وفيديوهات بعض الأغاني قد جرى تصوير لقطات منها في هذا المقهى.

كذلك فان العديد من فئات اخرى كانت ترتاد هذا المقهى الأليف والشعبي والأنيق: كالمحامين والتجار والصحافيين والكُتاب والرياضيين والمواطنين العاديين ايضاً.. ومنهم الصحفي مصطفى صالح والرياضي محمد جميل

عبد القادر وعازف العود قاسم صبح والمؤرخ عمر العرموطي والشاعر عبد الرحمن المبيضين... الخ.

من أجواء المقهى

وكان مقهى زهران قديماً ملتقى لإجتماعات النقابيين والحزبيين.. ويُقال ان أول نقابة عمال أردنية قد وُلدت فيه وذلك في بداية الخمسينيات من القرن الماضي, حيث لم يكن ثمة قاعات كافية لمثل هذه اللقاءات قديما فقد كانت عمان صغيرة المساحة والمباني.

والجالسون من رواد هذا المقهى المغدور كانوا يستمتعون بما يبثه المقهى من أغاني الطرب الاصيل للمشاهير: محمد عبد الوهاب, وام كلثوم, وفريد الاطرش, ووردة الجزائرية, وصباح فخري, ووديع الصافي.

وكانت تختلط في بعض الاحيان صيحات الرواد !! ممن خسر أو فاز في لعبة الهند او الزهر, أو أن يسمع أحدهم ينادي الجرسون لطلب نارة (فحمة) مشتعلة للأرجيلة التي كادت تنطفئ.

وكان يتخلل ذلك أيضاً التواصل الروحي ما بين بعض رواد المقهى، الذين يجلسون معاً دون لعب الشدة او الطاولة !! بل هم يتحدثون في شؤون الدنيا والحياة اليومية والذكريات القديمة, والحوارات الفنية عمن صوته الاجمل من عمالقة الغناء التراثي الاصيل, او انهم يتحدثون في شؤون البيع والشراء والتاريخ والثقافة والفن والسياسة.

وقديماً كان لمقهى زهران الريادة والميزة لإنفراده ولسنوات طويلة في فترة الستينيات والسبعينيات بتأجيره الكراسي بالمئات مع الصيوانات والطاولات وكهارب الزينة, حيث لم يكن احد غير مقهى زهران يقوم بهذه الخدمة في عمان وفي الاردن عموماً.

وممن كان يستأجر تلك الكراسي الفخمة من هذا المقهى مثلا: الديوان الملكي والجيش وأمانة عمان وقصر الثقافة ومعرض عمان الدولي والمدرج الروماني.. لكن تلك الخدمة ألغيت من مقهى زهران بعد أن ازدادت محلات تأجير الكراسي وإقامة الصيوانات في كل مكان من مناطق الوطن.

ذكرى شخصية

وحكاية جلوسي شخصياً في هذا المقهى وأنا صغير السن فهي بسبب أن والدي كان وعندما يفرغ بعد العصر من عمله كلحام كهربائي من الدرجة الأولى–بمشاغل أدهم قطان وإخوانه التي كانت تقع في آخر رأس العين مقابل متنزه رأس العين الشهير – كان يُغير ملابسه هناك بملابس نظيفة ثم يمر على هذا المقهى الواقع بطريق البيت فيجلس هناك يستريح قليلاً ثم ليبدأ وأصحابه بلعب الورق وبالذات لعبة الهاند.

وفي بعض الأماسي المبكرة كنت أذهب لوالدي في هذا المقهى القريب لعدة أسباب: حتى أبلغه أنه جاء إلى بيتنا ضيوف أو أقارب, أو أننا نريد شراء شيء مستعجل.. وعندما أطلب منه ذلك تكون ردة فعله متنوعة!! وذلك حسب الموقف وأجواء اللعب.. فمرات كان يطلب مني الجلوس بجانبه تقريباً على كرسي قش صغير ويطلب لي زجاجة كازوز سحويل–أو كاسة قرفة بالجوز «إينر» اذا كان الفصل شتاء- قائلاً انه لن يتأخر في لعب الشدة فقد شارفت اللعبة على الإنتهاء.. وكنت استمتع كثيراً بالجلسة وبشرب الكازوز وبتعليقات أبي وأصدقائه حول لعب الشدة.

ومرات أخرى كان يطلب مني ان أذهب قائلاً أنه سيأتي بعد قليل الى البيت وتطول جلسته لأ كثر من ساعة.

وكان صاحب المقهى عليوه صديقاً لوالدي المرحوم حيث كان يداعبني ويرحب بي ويحلف أحياناً بأن ثمن المشروب الذي طلبه أبي لي على حساب المقهى.

وكان كذلك مدير المقهى «عبدالله الطحلة» صديقاً لوالدي حيث كان يعرفني ويدلني في مرات على مكان وجود والدي في المقهى المكتظ بالرواد في أكثر الأحيان.