كتب - حيدر المجالي

صناعة بيوت الشعر من أجل السكن في العقود الغابرة، كانت مهمة صعبة تؤديها المرأة البدوية باحتراف، فتجّز الصوف والوبر وتقص الشعر، ثم تغزلها خيوطاً دقيقة بعد تنقيتها من الشوائب؛ وتستمر في عمل مُنهِك حتى تكتمل الخيوط، لتنسجها قطعاً كبيرة تسمى (الشقاق) وهو عمل يحتاج لمساعدة الجارات.

فهي محور أساسي في إيواء أسرهن بمساكن متحركة خفيفة الوزن، لكنها مقاومة للأمطار والثلوج، وتمنع تسرب الهواء البارد؛ فيما تسمح لدخان النار بالخروج من مساماتها، وفي ذات الوقت منسوجة بطريقة محكمة وقوية، ذات أشكال جميلة تعكس حياة البادية بأبهى صورها.

فللمرأة البدوية قديماً دور رئيس في حياة الأفراد، وكانت ركيزة أساسية من ركائز البناء والعيش الكريم سواء كان لأفراد عائلتها الصغيرة أم لمحيطها المجتمعي؛ فهي إلى جانب صناعة البيوت، فإن لها دور إنساني يتمثل في تربية الأولاد وحلب الأغنام، ورعي المواشي وحصاد الزرع، فضلاً عن دورها الإستراتيجي في إدارة شؤون البيت وصيانته وتوفير الحطب للوقود.

كان لها هيبة وحضور ويؤخذ برأيها في الحل والترحال طلباً للكلأ والماء؛ فيما ذكرها الشعراء في قصائدهم بأنها أخت الرجال، وبها ينتخون في الغزوات والملمات؛ وحين يغيب الزوج فإنها تقوم بمقامة في تقديم الواجب خاصة في الأعراس، فقد تعترض (الفاردة) التي تمر بمحاذاة بيتها، لدعوتهم كباراً وصغاراً لوليمة كبرى تعُدها بنفسها تكريماً وترحيباً كما جرت العادة حينذاك.

قد يكون البيت المصنوع من صوف الأغنام أو وبر الإبل أو شعر الماعز، هو الركيزة الأساس للواجب الملقى على كاهل المرأة، فيما الأعمال الأخرى التي تبدأ من رعاية شؤون الأسرة، والمساهمة في جلب الرزق ثانوية، وأمر مسّلم به لدى المجتمع البدوي.

بيد أن صناعة البيوت من البداية للنهاية ليست بالأمر الهيّن، ذلك أن لها مستلزمات أخرى تحتاج إلى صناعة دقيقة، كالأكياس الكبيرة لحفظ الدقيق التي تسمى (عدول) والُخرج الذي يوضع على ظهور الخيل وهو يشبه الجوربين على اليمين والشمال، وأخرى لحفظ الملابس، ومنها ما هو للزينة ك (الضبية) أي الحقيبة الصغيرة، و(السفايف) لزينة الجمال و(العليقة) التي يوضع بها طعام الخيل، والبسط التي تُنسج بألوان زاهية يتم صباغة خيطوها يدوياً.

تلك مستلزمات تعملها المرأة لوحدها، وهي مُتعبة لدرجة كبيرة، وتتطلب صبراً وجهداً إضافة إلى الوقت، لكنها ضرورة ملحة لبناء الأسرة وجمعها تحت سقف واحد من شعر الماعز المنسوج؛ فالطرق والأساليب التي تعتمدها المرأة في تلك الصناعة الدقية، تحتاج لمهارة عالية يتم التدرب عليها وصقلها مع الخبرة.

يعتبر (المغزل) وهو أداة خشبية لإنتاج خيوط الصوف، ومصنوع من عود خشبي متصل برأس يشبه الشاكوش مرتبط بخطاف حديدي، من أهم الأدوات لإنتاج خيوط البُسط أو (المفارش) من الصوف و(شُقاق) البيوت من شعر الماعز؛ فيتم ربط جزء من الصوف المنفوش بالخطاف، ودحرجته على أعلى الفخذ بقوة، ثم لفه على العود الخشبي.

يتم صبغ الصوف بعدة ألوان بينما يبقى الوبر وشعر الماعز المغزول على لونه الطبيعي، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة النسج، وهي مد الخيوط وتسمى (السدو) وتوضع عليها (النيرة) أو(اللُحمة) التي تفصل الخيوط المنسوجة عن بعضها بواسطة خشبة من جذع الشجر، وفي الأطراف تُمد الخيوط على مسافات تصل إلى 30 متراً ويزيد، بحيث يتم ربطها بجذعين قويين مثبتين بأربعة أوتاد في الأرض.

حتى تتم العملية بنجاح لا بد من تعاون النساء خلال عملية نسج الخيوط، فيتناوبن على النسج بواسط أداة لها ذراع خشبي، وبأعلاها قطعة من الحديد ذات رأس منحنٍ تسمى(المشقاة) أو(المدراه) وهي تشبه قرن الغزال؛ تستمر العملية أسابيع حتى يتم الإنتهاء من أحد أجزاء البيت القطعة تلو الأخرى، ثم تبدأ عملية الخياطة بواسطة إبرة كبيرة تُسمى (المخيّط)، وهي جزء من عدة أدوات منها: الأطناب لشد بيوت الشعر، والمنساب أو الأوتاد، والمحالة أو الحلقة، والأعمدة وهي من جذوع الأشجار.

بيت الشعر له مدلول إجتماعي في الموروث الشعبي، لأنه يعكس حياة الصحراء بألوانها وظروفها، وباتت الأجيال يتداولونه عبر العقود لإستخدامه في المناسبات الإجتماعية كالأفراح؛ كما ينصُبه بعض أبناء البادية والحضر بجوار منازلهم الحجرية.

يُقاس حجمه بعدد الأعمدة التي تسمى (الواسط) فكلما كان عددها كبيراً فذلك يدل على مكانة صاحب البيت، فمنها بثلاث أعمدة وأخرى بأربعة ومنها بخمسة أو ستة؛ وفيها حواجز من الشقاق تفصل المجلس عن مخدع النساء (المحرم)، وبه جورة نار توضع عليها دلال القهوة السادة.

لن يأفل نجم بيت الشَّعر عن ذاكرة الأردنيين، حتى وأن حلّت مكانة (الصواوين) والشوادر والقاعات العامة؛ فهو عنوان الجود والعزة والشهامة والرجولة، وبه عاش أعلام من أبناء الوطن، وفيه ذاقوا الحياة بحلاوتها ومرارتها!!