في التعديل الحكومي الأخير، تغير اسم وزارة الشؤون البلدية إلى وزارة الإدارة المحلية، وساد اعتقاد بأن تلك الخطوة ستتجاوز مسألة التسمية إلى ما هو أكثر عمقا، بما في ذلك تجذير اللامركزية، التي قالت الحكومة قبل ذلك أنها ستطبق بالتدريج.

وبعد ترقب وطول انتظار، صدرت مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية وسط توقعات بأن تفي مواده بالوعود الحكومية حول اللامركزية، شكلا ومضمونا. غير أن الواقع كان مختلفا، وجاءت المسودة بإضافات تكرس» المركزية»، وتقترب كثيرا من الممارسات العرفية، التي تجاوزناها منذ زمن طويل.

فمن حيث تركيبة مجالس المحافظات، تم الخلط بين مجلس المحافظة، والمجالس البلدية، حيث ألغيت المجالس المحلية، وأصبح رؤساء البلديات أعضاء في «المحافظات»، الأمر الذي يعني تدريجيا هيمنتهم على تلك المجالس بعد تخفيض أعداد المنتخبين مباشرة، وتوجيهها لخدمة مناطق معينة على حساب أخرى.

ومن الأحكام الجديدة في مسودة المشروع، تخصيص 50 بالمائة من عدد الأعضاء المنتخبين ك"كوتا» للمرأة. وهي الخطوة التي يعتبرها البعض إيجابية، ويراها آخرون أنها تحد من إمكانية تطوير الكفاءات النسائية لكي تنافس على المواقع وتفوز بها انتخابا مباشرا وبدون كوتا.

فالخشية هنا، من استمرار المرأة في الاعتماد على «الكوتا»، واعتبارها كافية لمنحها ما تطمح له، مع أن الأصل في الأمور أن تكون» الكوتا مؤقتة، ومحفزة لها من أجل المنافسة على مختلف المواقع ديمقراطيا.

أما البعدان العرفي والمركزي في العملية، فيتمثل بربط كافة الأمور بيد الوزير من جهة، والمحافظ ـ باعتباره رئيسا للمجلس التنفيذي ـ من جهة أخرى. ونزع أية صلاحيات محورية من مجالس المحافظات وجعلها مجالس استشارية.

فالمجلس التنفيذي هو الذي يعد الخطة، ووزارة المالية هي التي تحدد المخصصات، بينما يتولى مجلس المحافظة مناقشتها وإقرارها ضمن محددات لا تسمح له بالكثير من هوامش الحركة.

وفي البعد العرفي، فقد وضعت بعض المواد كـ«سيف» يمكن أن يستخدمه الوزير ضد مجلس المحافظة. ويتضح ذلك من خلال المادتين «11 و12». حيث أعطتا وزير الإدارة المحلية صلاحية التنسيب لمجلس الوزراء بوقف مجلس المحافظة أو رئيسه أو أي عضو فيه عن ممارسة صلاحياته لمدة لا تزيد عن سنة «في حال مخالفة القوانين.... أو الإخلال بالصلاحيات والمسؤوليات». ولمجلس الوزراء حل المجلس بناء على تنسيب الوزير «إذا اقتضت المصلحة ذلك». وتشكيل لجنة مؤقتة بدلا منه.

ومن السلبيات في هذه المسودة التي ساعدني في قراءة الكثير من نصوصها، مشكورا المحافظ السابق بوزارة الداخلية والخبير في الشؤون الانتخابية، عبد السلام العموش، أنها خلت من أية محددات للنظام الانتخابي لمجالس المحافظات. وتركت هذا الموضوع الحساس لنظام يصدره مجلس الوزراء، ما يعني أن الوزير سيكون هو المرجع الرئيس في تحديد آلية الانتخاب وتشكيل اللجان وغيرها من عناصر رئيسية جرت العادة أن تحدد من خلال القانون ويقتصر النظام على بعض القضايا التفصيلية.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com