كلنا عرفنا كلمة الطُفيلي بمعنى الذي يدخل الوليمة دون ان يُدعى إليها (لسان العرب) قبل وقت طويل من معرفتنا للطفيليات في علوم الطبيعة ككائنات دقيقة تعيش على حساب غيرها حتى لو سلبتها حياتها! أما ((الطُفيلي)) الذي نتحدث عنه اليوم فهو الفيلم الكوري الجنوبي الذي أثار ضجة كبيرة في عالم السينما حين فاز بجائزة الاوسكار لهذا العام، وقيل ان أحد عناصر استحسانه إنه غير أميركي يستخدم لغته الاصلية (الكورية) ويستغني بالترجمة عن الدبلجة...!!

لقد شاهدته قبل أيام فلم أنبهر كما أوحت الدعاية الواسعة له، لا بل استأتُ من فكرته التي قلبت المفهوم الواقعي السائد عن العلاقة بين الطبقات بعد ان أثبتت النظريات الاقتصادية ان طبقة الاغنياء هي الطفيلية لأنها تعيش وتراكم ثرواتها على حساب عمل وعرق الفقراء من عمال وفلاحين ومن فائض القيمة الناتج عن جهدهم فكيف يطلب منا أن نهلل لفيلم يعرض الصورة معكوسة تماماً، فالقصة لعائلة فقيرة تتاح لها الفرصة أن تستغل عائلة غنية عطفتْ عليها فتحاول الحلول محلها لتسرح وتمرح في قصرها الفاخر، اي أنها عضت اليد التي أحسنت إليها، وهو معنى ساذج لكنه خبيث حيث يصلح للضحك على عقول البسطاء في قصة فيلم هندي هابط.. هكذا فهمتُ القصة بلا فذلكات حتى أفلتت مني لذة الاستمتاع بجماليات الفيلم الأخرى من فكاهةٍ راقية وإخراج انيق وتمثيل مقنع بلغ حد التماهي مع طبيعة الادوار، خصوصا وقد اغرقنا الفيلم في نهايته بمشاهد العنف الوحشية حين يرتكب رب العائلة الفقيرة دونما أي مبرر منطقي مجزرة بشعة في حق العائلة الغنية التي عطفت عليه وعلى افراد أسرته فادخلتهم في كنفها وأئتمنتهم على منزلها ومقتنياتها حتى صار ما صار..

كنا نقول إن هوليود قد عودتنا على براعتها في قلب الواقع وتزوير الحقيقة حداً جعلنا نرى المظاهر المزوَّقة تبدو كأنها الجوهر واللب، سواء كان ذلك في افلامها عن الاحداث التاريخية الكبرى أو عن الوقائع السياسية المعاصرة، أو حتى حول المعتقدات الفكرية والمبادئ الفلسفية، وهي تفعل ذلك بوعي وتخطيط وعن قصد مدبر كي تخدم مموّلي انتاجها السينمائي الضخم من الشركات الكبرى ولا شك أن وراء ذلك سياسة الدولة الاميركية القائمة منذ تأسيسها على الاستيلاء على وطن الغير وإبادة الشعب الأصلي واسترقاق اعداد كبيرة من الافارقة السود للعمل عبيداً في مزارعها وصولاً الى التسيُّد العنصري لأصحاب البشرة البيضاء من مهاجري اوروبا اليها!

وبعد.. لم أقصد أن ((أؤدلج)) فيلماً سينمائيا غير اميركي فرحَ اصحابه بنجاحه وفوزه بجائزة الاوسكار لكنْ ما حيلتي إذا كانت اميركا هي التي ((أدلجته)) حين منحته جائزتها الكبرى لصالح سياستها ((الطبقية)) النابعة من اقتصاد السوق وهو اقتصاد يمكن ان يرتكب أي شيء حتى صفقة القرن..؟!