من عادتي في النشاطات والمناسبات خاصة الرسمية منها، الحرص على الجلوس في الصفوف الخلفية، وهو أمر كثيراً ما يسبب الحرج لفريق المراسم لدى الجهة الداعية، الذين اعتادوا على ترتيب جلوس المدعوين حسب مناصبهم ودرجاتهم الوظيفية، وباعتباري واحد من أقدم أبناء جيلي الذين حصلوا على الدرجة العليا في الحكومة، وشغلوا منصب مدير عام، بالإضافة إلى أنني من أقدم رؤساء تحرير الصحف الأحياء، فغالباً ما يصر فريق المراسم لدى الجهة المنظمة للأنشطة على جلوسي في الصفوف الأمامية، بينما أصر أنا على الجلوس بالصفوف الخلفية وغالباً ما أفلح بذلك واستمتع.

لاستمتاعي بالجلوس في المقاعد الخلفية جملة من الأسباب،أولها دراسة حجم تنامي ظاهرة النفاق والرياء في مجتمعنا، فالكثيرون يأتون إلى المناسبات العامة ليس لذات المناسبة، بل من باب النفاق لراعيها، حتى إذا ما اضطر الراعي لمغادرة المكان، غادر معظم الجلوس وهنا أورد واقعتين تؤكدان ما ذهبت إليه، الأولى أنه قبل أسابيع حضرت حفل إشهار لعمل أدبي، فكان المكان يغص بأشخاص لا علاقة لهم بأي لون من ألوان الأدب، لكنهم جاءوا لإثبات حضورهم لراعي المناسبة وتذكيره بأنفسهم فقد تزاحموا عليه ونسوا الكاتب والكتاب، أما الثانية فما حدث يوم الإثنين الماضي في احتفالية إطلاق الحكومة للحزمة الاقتصادية الخامسة، فما أن غادر دولة الرئيس معتذراً بسبب ارتباطات اخرى، وهو أمر طبيعي، حتى غادر معظم الحضور القاعة، رغم أن برنامج الاحتفالية لم ينته، ورغم أنه لا يرضى رئيس الوزراء أن لا يكمل مديرون ومسؤولون في الحكومة الاستماع إلى الإعلان عن إنجاز لها هذه واحدة.

أما الثانية فإن الجلوس في الصف الأمامي يشعرك في كثير من الأحيان بإحساس الأسير، المقيد الحركة، المراقب في كل ثانية المضطر إلى الجلوس طالما أن راعي الحفل وعلية القوم جلوس، حتى وإن كان ما تسمعه أو تراه سخيفاً.

أما الثالثة فهي مشاهدة نماذج من تصرفات أصحاب النفوس الصغيرة، الذين يظنون أن جلوسهم في الصف الأول، أو بالقرب من المسؤول الأول يضيف إليهم شيئاً، أو يذكر هذا المسؤول بهم، وهؤلاء لا يثقون بأنفسهم مثلما لا يستمدون مكانتهم بين الناس من ذواتهم، ومن ثم يعطون للمكان قيمته ولا يستمدون قيمتهم من المكان، وقد رأينا في الحياة الكثير من الحالات، لأناس استمدوا مكانتهم من وظائفهم، وجعلوا علاقتهم حتى بالقريبين منهم من أقرباء وأصدقاء عبر السكرتيرات في أحسن الأحوال، حتى إذا ماتركوا وظائفهم اكتشفوا حجم وحدتهم وفراغ حياتهم، وزيف مواقعهم، لأن الوظيفة لا تصنع لصاحبها مكانة واحتراماً بين الناس، مثلما لا يصنع لهم الجلوس في الصف الأول ذلك كله، لأن ما يصنع المكانة والاحترام هو احترامك لغيرك امتداداً لاحترامك لنفسك ثم إنجازك في خدمة الناس، والتواصل معهم.

Bilal.tall@yahoo.com