لا يحتاج المرء لطويل وقت او الدخول في لعبة تخمين, لاكتشاف حجم الصفعة المُدويّة التي الحقها الجيش السوري والطيران الروسي بجيش تركيا ومرتزقته, من المجموعات الارهابية التي حشدها لمشاركة «قواتِه الخاصة» ومدفعيتِه الثقيلة وراجماتِه الصاروخية, اجتياح بلدة النيرب ومنها الى مدينة سراقب بما هما بوابة العبور «السوري» لتحرير إدلب «المدينة»، الأمر الذي فرض صمتاً تاماً على القصر الرئاسي في انقرة, وخصوصاً غياب الرئيس اردوغان عن المشهد, وعدم إدلائه بأي تصريح على غرار تصريحاته النارِية التي ميزت الايام بل الساعات القليلة التي سبقت غزوة النيرب, ما عكس ضمن امور اخرى الحزم السوري/الروسي, الذي تجلّى بردع جيش الاحتلال التركي وإجباره على الانكفاء وترك الارهابيين لمصيرهم، وايضاً إعادة الامور الى نصابها وبدء أنقرة البحث عن ذرائع واختلاق رسائل وروايات وإصدار تصريحات تهدئة (كما تبدّت في تصريحات اردوغان عقب صلاة الجمعة), وميل للمسار الدبلوماسي وتراجع الشعارات الرنانة عن «تركيا العظيمة وشعبها العزيز ووطنها المُقدس», وكأن اوطان الآخرين وشعوبها اقل شأنا وكرامة من تركيا, صاحبة التاريخ المعروف في استعمار البلدان وإذلال الشعوب ونهب ثرواتها.

نتائج الغزوة التي أرادوها صفعة لـ«النظام السوري» وإجباره العودة الى ما وراء نقاط المراقبة التركية، خلطت الاوراق وجعلت «مُهلة» اردوغان لا قيمة لها ولا أهمية, حتى لو قيل تبريراً: ان «غزوة النيرب» لن تكون الاخيرة, وانها رسالة تركية لكل من دمشق وموسكو, بأنها تهديداتها جدّية وما جرى «بروفة» يتوجّب عليهما استيعاب مضامينها.

لن تغير المشهد او تُؤثر فيه أنباء تسربها دوائر تركية عن استعداد واشنطن إرسال بطاريتَيّ «باتريوت» لمواجهة الطيران الروسي, وتلويح انقرة باستخدام منظومة S-400 الروسية, وبخاصة عدم حماسة ادارة ترمب الـ«كافية» لإرسال الباتريوت لتكون قريبة أوشريكة لمنظومة،S-400 وهي التي تُواصِل الزعم: ان المنظومة الروسية ستكشف «أسرار» أنظمة الدفاع الجوي لحلف (الناتو).

اعلان جاوويش اوغلو عن محادثات مع موسكو للحد من التوترات في إدلب, وعدم صدور موقف تركي واضح حول المُشاركة (اوعدمها) في قمة ثلاثي استانا الضامن بطهران, تدفع للاعتقاد أن اردوغان يبحث عن «سلّم» للنزول عن الشجرة العالية التي صعدها, بعد تصريحات نارية لم يكتفِ بتوعّد دمشق وحدها بل شملت موسكو وطهران كداعِميْن لسوريا، وإذ لم يُعرف بعد, مَن الذي سيوفر ذلك السلّم...هل ميركل وماكرون؟ أم قمة ثلاثية في طهران كونها مُقرّرة مسبقاً؟، فإن من غير الحكمة أخذ تهديدات انقرة بجدية, بعدما وجدت نفسها في وضع خطير ومعقّد, قد يُكلّف الرئيس والحزب الحاكِم مُتدنِّي الشعبية...فقدان سلطة لم تعُد مضمونة, بخاصّة بعد الانتخابات المحلية الاخيرة, وتصدُّع صفوف حزب العدالة والتنمية بالإنشقاقات, ما بالك بعد بدء «عودة» جنوده بالـ«توابيت» من ساحات معارك افتعلها اصحاب الرؤوس الحامية في انقرة؟ وتحديداً فشل اردوغان في دفع بوتين «الإفصاح» عن خطوته التالية, بعد مكالمته الهاتفية معه....ما أضفى على المشهد غموضا مُتزايداً.

kharroub@jpf.com.jo