في الذهن، صورة تعود إلى أيام الطفولة، لم تفلح عقود عديدة من الزمن في محوها. فالمرة الوحيدة التي رأيت بها أسراب الجراد تغزو سماء قريتي الوادعة كانت في أواخر الخمسينيات من القرن الفائت.

أذكر ذلك المشهد، كالحلم، عندما غطت أسراب الجراد سماء القرية، وهب الأعمام والأقارب كل إلى ارضه ومزروعاته، يكافح ذلك المخلوق «الشره»، بوسائل بدائية، ويدوية، لكنها كانت فاعلة نسبيا.

تذكرت تلك الصورة، وأنا أتابع آخر المستجدات عن أسراب الجراد التي وصلت إلى دول مجاورة، وأستمع إلى صوت أردني نقي، يحاول حشد الهمم الدولية لمواجهة كارثة حقيقية تهدد الدول التي توالدت بها الأسراب، والتي يعاني بعضها أصلا من كوارث أمنية وسياسية أضيفت لها كارثة الجراد. وحاولت إجراء مقارنة بين تلك الصورة التي ترسخت في ذهني، والمعلومات المذهلة عن جراد القرن الواحد والعشرين، الأكثر شراهة.

فقد وصل هذا النوع «الشره» من الجراد إلى دول مجاورة لنا، حيث دخل منطقة الربع الخالي، وتوجه إلى القرن الإفريقي «الصومال وكينيا وإثيوبيا واليمن». ونجح في الدخول إلى كل من البحرين والكويت وقطر، وهناك معلومات تتحدث عن وصوله إلى العراق. وأمضى الجراد فترة كافية في منطقة الربع الخالي، وتوالد هناك. كما توالد في مناطق القرن الإفريقي، وتضاعفت أسرابه عدة مرات.

وبمتوالية حسابية تم الكشف عنها فإن أعداد الجراد قد تضاعفت أكثر من مرة، وأنه في حال لم تتدخل الجهات الدولية لمحاربته في موطنه ومواقع تكاثره في إفريقيا فإن أعداده ستتضاعف إلى عشرين ضعفا حتى شهر آذار المقبل.

أما إذا لم تحارب تلك الأسراب لثلاثة أشهر قادمة فإن أعداده ستتضاعف خمسمئة مرة. وهناك معلومة تناقلتها بعض التقارير الإخبارية تقدر أعداد الجراد، حاليا ـ ضمن مساحة كيلومتر مربع واحد تزيد عن ثمانين مليون جرادة تحتاج إلى غذاء يكفي إلى 40 ألف إنسان. فكيف ستكون الصورة إذا ما سمح لها بمضاعفة أعدادها بتلك «المتوالية»؟.

الوزارة، من جهتها، وكما علمت من وزيرها المهندس إبراهيم الشحاحدة، بنت خطتها على فرضية عدم انتظار«البلاء» إلى حين وصوله، حيث شكلت غرفة عمليات مهمتها متابعة المعلومات الخاصة بتلك الآفة، وتطورات حالة الطقس، وسرعة واتجاه الرياح، وقامت بتجهيز وحدة مختصة في محافظة معان.

وتستند الوزارة إلى تجربة ناجحة، حيث تمكنت العام الفائت من تسخير كافة الإمكانات المتاحة لديها ولدى الجهات المختصة الأخرى، وأبادت أسراب الجراد القادمة خلال أيام معدودة وقبل ان تتوالد، ونجحت في منع وصولها إلى دول مجاورة من أبرزها فلسطين ولبنان وسوريا. ونجحت في صد موجات الجراد الهائلة، قرابة الأربعين صدة.

أما هذا العام فيؤكد المهندس الشحاحدة استكمال الجاهزية قائلا«سنقلع أشواكنا بأيدينا». لكن المطلوب هو أن تتحرك الجهات الدولية المختصة«الفاو وغيرها» لوقف الكارثة المنتظرة في دول ليس لديها الجاهزية ولا الإمكانات للتعامل مع الموقف. وتحديدا في مناطق القرن الافريقي واليمن. وهي بذلك تساعدنا في القضاء على الخطر في منبعه وتنقذ تلك الدول المبتلاة.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com