فيروس «كورونا» نموذجاً

د.إبراهيم أحمد ملحم

حينما يتنامى إلى الافتراضيين وجود حدث معين يؤثر سلباً على حياة الأفراد في الواقع، ويرقى إلى مستوى الكارثة، فإنهم ينشطون في تقصِّي الأخبار عنه، وعن أعراضه، وعن تأثيره.. ويتخيرون منها ما تتوافر فيه السمات الآتية: القدرة على لفت الانتباه من خلال هول الحدث وضخامة تأثيره، والتنبؤ باستفحال هذا التأثير في المستقبل القريب. ويتوخون في ذلك: الإيجاز القائم على العموميات؛ لأن هذه المجتمعات غير مهتمة بالتفاصيل، ولكن لا بأس من تدعيم ذلك بأعداد تُظهر المصداقية وبخاصة حينما تتوافر فيها ميزة التضخيم، أو الصور التي تعزز تأث?ر الحدث.

وبعد أن تتم هذه المرحلة من التقصي، يبدأ التحرك نحو شيء آخر، وهو ربط التأثير بما يخطر على البال، وقد تُستغل أحداث مصاحبة يجري الربط بينها. وهنا، أكثر ما يُستثمر أسلوب التهكم، واستجرار قضايا أخرى لا علاقة لها بالحدث تجلت من خلال التداعي الحر للتفكير.

وسنضرب لذلك الأمثلة الآتية التي دارت جميعها حول فيروس «كورونا» الذي فتك ببضع مئات في الصين، مما جعل الدول تُجلي رعاياها من هناك خشية إصابتهم بالفيروس، من جهة أولى، وجعلها أيضاً تتخذ الاحتياطات الضرورية لتفادي انتقاله إليها. فكيف تعامل معه الافتراضيون بعد انتهاء المرحلة الأولى، وهي تقصِّي الأخبار كما تناقلتها وسائل الإعلام؟

• أولاً: الصورة

1. رجل يضع الشماغ مغطّياً الوجه حتى الأنف، وبجانبه فتاة آسيوية. وسبق الصورة التعليق الآتي: «رجل يجلس بجانب فلبينية، يظنّ أنها صينية».

2. رجل يرتدي الزي الصعيدي، وهو يضع مكان الآنية الزجاجية المخصصة للماء، وتكون متصلة بالنار والتبغ، يضع علبة معدنية من مبيد حشري، تخرج منها قصبة تصل إلى الفم، لتشكل بمجملها (النرجيلة)، وعلّق على الصورة: «احنا بنشرب الكيف في علبة مبيد حشري، عادي كورونا، ده بتاع العيال التوتو».

3. صورة رجل يلفّ الشماغ الفلسطيني حول الرقبة، ويغنّي الموّال: «وعلى دلعونا دلع دلعونا/ وربي يبعث فيروس كورونا».

4. صورة لرجل يضع الكمامة الواقية على الأنف والفم، وقد خرم مكان الفم ما يجعله يدخن سيجارة، وعلَّق قبلها: «الفيروس راح ينتحر قبل ما ييجي علينا».

5. صورة لرجلين يتحدثان:

الأول: «شو ناوي تهدي المدام عَ الفلانتاين؟».

الثاني: «رحلة عَ الصين».

***

نلاحظ أن التفكير عبر التداعي الحر هو السائد في الصور التي جرى التعليق عليها؛ ففي المجتمعات الافتراضية تتداعى الفكرة في الذهن بطريقة فطرية، ثم يجري البحث عمَّـا يطابقها من الصور من خلال البواحث على الإنترنت. فالصورة الموجودة على الإنترنت (رجل ملثم، وفتاة آسيوية)، ارتبطت بحدث لا علاقة له بمناسبة التقاط الصورة، إن كانت هناك مناسبة، والهدف من هذا الربط للمتلقي هو التظرف، أو إدخال البهجة إلى النفس.

والصورة للرجل الصعيدي ليست حقيقية؛ فقد جرى التلاعب في مكوناتها، وإحلال أجزاء من صور متعددة مكان الأصل، لتبدو حقيقية. وتم وضع التعليق كي يواكب فكرة الصورة المفبركة التي جرى تحرير الصورة فيها من خلال البرامج الملحقة بالهواتف الذكية. والهدف من ذلك بيان أن ما يوجد في حياتنا من تلوث لا تضير الفرد فيه هذه الفيروسات.

والصورة التي تُظهر فلسطينيّاً يؤدي الموّال تهدف إلى الربط بين الحدثين: فيروس كورونا، من جهة أولى، وصفقة القرن، من جهة أخرى.

والصورة الرابعة تبين أن التدخين أساسي، ولا يمكن أن تحد الكمامات الواقية من الفيروس من ممارسته، فاخترع المدخِّنُ الثقب الذي يجعل السيجارة في متناوله، فليس هناك شيء يُعجزه؛ إذ يضع حلاًّ فطريّاً لكل ما يعوق ممارسته للحياة الطبيعية بصرف النظر عن الضرر الذي يلحق به من جراء التدخين.

أما الصورة الخامسة، فتستغل أفكاراً تكاد تكون شائعة على مواقع التواصل الاجتماعي في إذكاء نار العداوة بين الزوج والزوجة من خلال تقنيات تعبير متنوعة. فالتفكير عبر التداعي الحر، جعل «يوم الحب» (الفلانتاين) هو يوم التخلص من الزوجة، وهو نتيجة الربط بين الأفكار السائدة حول العلاقة العدائية بين الزوج والزوجة والتي تلقى ترحيباً لدى الافتراضيين، وذلك للتعبير عن الحدث (الفيروس القاتل).

• ثانياً: النص (الكتابة)

1. مع انتشار الفيروسات والأنفلونزا رُدِّد هذا الدعاء (منقول): «تحصّنتُ بذي العزة والجبروت، واعتصمتُ برب الملكوت، وتوكلتُ على الحي الذي لا يموت. اللهم اصرف عنا الوباء، وقِنا شرَّ الداء بلطفك ورحمتك، إنك على كل شيء قدير».

2. «يا جماعة، دخلت البنك، كان رقمي 88، بس حكيت (امبارح رجعت من الصين) صار رقمي 1، هيك العطسة بتسوّي».

3. «مطلوب صيني يعطس في مقر جامعة الدول العربية، وله الأجر والثواب».

4. «مطلوب صيني يعطس بمجلس الأمة، وله الأجر والثواب».

5. مما كُتب: اليوم تبيّن أن فيروس كورونا الأخير له براءة اختراع، وتم تطويره بشريّاً، وبتأكيد الترياق واللقاحات الجاهزة (...).

***

في النص الأول، نجد أن الاستجابة الفطرية عندما يشعر الفرد أن الآخر محتاج إليه، هي اللجوء إلى مساعدته بحسب نقاء السريرة، ولذلك نجده يسوّق له الأدعية تارة أولى، والوصفات العشبية التي يتجلَّى فيها التبسيط من أجل الوقاية وتقوية المناعة، ومنها «اللبان الذكر»، وغيره، تارة أخرى.

وفي النص الثاني، يبرز الهلع لدى الناس مما يجري؛ فالفيروس يمكن أن يتفشى خارج نطاق الصين عن طريق الذين أتوا منها إلى أيّ مجتمع من المجتمعات، فتغدو عندئذ الحاجة ماسة للحفظ على الحياة بشكل مرعب يجعل المرء يفر من أيّ مكان يُشتبه بأن الفيروس موجود فيه.

وفي النصَين الثالث والرابع، نجد هذا الحسم في المواقف وفق مبدأ محدودية الخيارات في الذهن، وذلك بتعليق أيّ مشكلة كبرت أو صغرت على المسؤولين عن الفرد حتى لو كان رب الأسرة (الوالد) أو حتى الشخص الذي كتب المنشور؛ إذ بات التعبير عن العطس بحضور صانعي القرار من الوزراء والنواب مستهلكاً، ويأخذ فيه التداعي الحر والتسرع في الحكم على الأشياء مساره للنسج على منوال نصّ آخر، أو العمل بطريقة تناسل النصوص، واستبدال كلمات بأخرى بحيث لا تبدو للقارئ العابر أنه مر بهذا النص مسبقاً. هذا الإسقاط في المسؤولية يتجلَّى دائماً عند كل أزمة مهما صغر حجمها أو كبر، فبفعل التفكير الفطري التلقائي، كل مَنْ تلوح صورته في الخاطر يكون عُرضة لهذا العداء، وما يفعله الافتراضيون هنا، يذكّر بالشاعر القديم الحطيئة الذي اعتاد الهجاء، وحينما لم يجد مَنْ يهجوه نظر إلى وجهه، فهجا نفسه. على أيّ حال، فإن السطحية وفهم الفرد للأمور وفق هواه يقتضيان وجود نصوص جاهزة، ويقتضيان أيضاً استبدال كلمات في نطاق محدود جدّاً.

وحين تمر فترة قصيرة نسبيّاً، ويبدأ مستوى الإثارة في الهبوط، تخفّ أعداد الصور والنصوص الساخرة التي عرضنا نماذج منها، لتتجلى مرحلة أخرى يؤدي أدوارها عدد محدود من الأفراد الذين يتشكل الانطباع عنهم أنهم من فئة المتنورين، فما ينشرونه يتضمن تفكيراً تتجلى فيه سمة العلمية، ولكنها ليست العلمية المعهودة، بل التي تتوافر فيها مواصفات معينة كالقدرة على صدم التوقعات، وفي الوقت نفسه، لا تتوافر فيها صفات كثيرة محببة لدى الافتراضيين كالإيجاز، والسطحية، وغيرهما. وعلى الرغم من أهميتها تبقى عُرضة للاتهام بعدم المصداقية، ومعرّ?ضة للخطأ، علاوة على كونها لا تحظى بالجاذبية التي نجدها في الصور والنصوص التي سبقتها؛ لأن المجتمعات الافتراضية تشتغل وفق آلية تفكير مختلفة تماماً، فتبدو هذه النصوص ومثيلاتها كأنها تغرد خارج السرب.

ليس هذا كل شيء، فمن المؤكد أن الافتراضيين سيقرأون بعض ما كُتب، وبخاصة العناوين، وسيتبع ذلك كتابات نادرة، تطرح الموضوع بجدية عن طريق الفكرة الموجزة والعابرة، أو عن طريق السؤال، ومن هذا قول أحدهم: «متى تخرج الصين عن صمتها، وتُفشي أسرار مجزرة الكورونا؟",

فما دامت الثقافة الافتراضية مغلقة، وتدور حول نفسها، فإن ما سبق سيغدو لدى الآخرين حقائق غير قابلة للطعن؛ لأن هذه الثقافة لا تطرح خيارات بديلة تتيحها ميزة الانفتاح، وهكذا تتراكم المعلومات على الموجود فعلاً في المجتمعات الافتراضية، وذلك ضمن معنى «الإعلام الجديد». وما يمكن أن يُطرح الآن، كيف استقبل الآخرون هذا المنشور أيضاً؟ والإجابة: استقبلوه بتفاعل محدود، ليس يُقارن في ما لو كان ضمن حركة الصور والنصوص التي أوردتُ نماذج منها.

تلك هي السمات البارزة لكيفية التفكير عند الافتراضيين حينما يواجهون الأزمات والكوارث في الواقع، وهي ما زالت مستقرة إلى حد كبير، وذات إيقاع متكرر في سياقات أخرى، ولكن قد تتحقق فيها انزياحات طفيفة في المستقبل؛ نظراً لعوامل متعددة، منها: تطور التكنولوجيا الذكية، والمساحة التي تتحرك فيها حرية التعبير، ومدى الاقتراب من تحقق معنى «المواطن الرقمي».