نعيمة الحمّامي التواتي

شاعرة وكاتبة من تونس

في إصدارها الأول «سفر في قبضة اليد» (دار زينب، تونس، 2018)، تدعو الكاتبة لمياء نويرة بوكيل المتلقي إلى أن يعدّ نفسه ليرحل معها ويغوص في مكامن نصوصها التي تمثل ورقات من سير أبطال ومغامراتهم في رحلة مع الحياة، في واقع متغاير، في زمن معولَم، تغيرت فيه القيم والسلوكات.

مجموعة من النصوص، تقرؤها، فتتبين أن رحلة الكتابة عند لمياء هي سفر في الذات، وهي مغامرة وإعادة اكتشاف، ونقد ومصالحة، وعقد بين الذات الكاتبة والمتلقي.

• العنوان وصورة الغلاف

"سفر في قبضة اليد»، عنوان كُتب بخط أسود جميل، يقرأ بوضوح. ترتيبه جاء الثاني بعد اسم المؤلفة على محمل تداخلت ألوانه الزاهية وتمازجت بفقاقيع هوائية في حركية تصاعدية ترمز إلى حراك وحركية وحياة.. هذا العنوان جاء في شكل جملة اسمية، المبتدأ فيها نكرة، والخبر جار ومجرور. لماذا لم يتأخر المبتدأ؟ لماذا لم يُراعَ التقديم والتأخير؟

وهل نعتبر أن معنى الجملة ناقص فنقدّر خبرا محذوفا (هناك) فيكون «سفر» مبتدأ، والبقية «في قبضة اليد» مفعولاً فيه؟ وثمة احتمال آخر: «سفر» مبتدأ، والبقية مركب مجرور في موقع خبر..

"سفر في قبضة اليد»، مفارقة بين انفتاح وانغلاق. كيف لسفر أن يكون في قبضة يد؟

هل يمكن لقبضة اليد أن تكون مفتوحة؟

هل تُخاتِلُنا الكاتبة إغراءً منها حتى نخوض مغامرة نصوصها؟

يد مفتوحة غاب منها الكف وبرز الظهر، على متنه إكليل من الزهور المخملية بديعة الألوان لا تبدو أنها لامرأة لخشونتها..

يد مفتوحة.. هل هي مستعدة لتربت على الكتف بحنان اليد؟ هل هي آلية للمصافحة والمصالحة والحماية؟ أم للصفع؟

جاء في معجم المعاني الجامع، أنّ القبضة من الشيء يعني ما قبضت عليه من مِلْءِ كفّك، أي المِلْكُ والحوزُ. ويقول الباحثون في علم النفس ولغة الجسد أنّ لقبضة اليد علاقة مهمة بالشعور الداخلي للشخص، وأنها جزء مهم لا يمكن التغافل عنه في لغة الجسد.

• وقفة مع المتن

لمياء نويرة بوكيل، كتبت عن الحب، والخيبة، والعائلة، عن عذابات أطفال الشوارع وخيباتهم وحيلهم في الاحتيال.. عن أعراض التخنث والافتقار إلى فحولة الرجولة وعن المسكوت عنه.. كتبت عن بائعات الهوى، عن الحيوان.. عن الاختلاف، وتقبل الآخر، والتسامح.. وعن الهوية بكل مفاهيمها.. كتبت عن الواقع المتأزم فلا تستفِزّ ولا تصدم، لا تلقي بأحكام جزافاً، لا تصادر حقّاً ولا تدين المختل..

يُلاحَظ أن الكاتبة أوحت بالرغبة في الإحاطة بالواقع الذي يشغلها، واقع تسوسه ثنائيات ومفارقات في حلوه ومرّه، في جماله وقبيحه، في عفّته وعفنه.. فتعالج السالب في هذا الواقع المهزوم وتضفي عليه أملاً يبتسم بـ «رشة عطر» حتى لا تحبط هذا المتلقي أكثر وتمنحه بذور حب الحياة فلا ينبتّ ويعادي واقعه ويغترب.

ففي نصها «نورا» مثلاً، نلمح هذا البعد الذي رسمته الكاتبة لمعالجة قضية مجتمعية مسكوت عنها، فقدّمت لنا بورتريهاً تضمّن وصفاً دقيقاً للشخصية المحورية التي تعمل في محل حلاقة للنساء: مشهد مغلق اقترن بوصف متحرك لأعمال «نورا» البطل، وكأني بالكاتبة ترسم بآلة تصوير فوتوغرافي فتسلِطُ العدسة لرصْد كلَّ صغيرة وكبيرة في قاعة الحلاقة، تثمّن الخصال المميزة للشخصية المحورية.. خصال أحكمت الكاتبة في إبرازها والتنصيص عليها لتنتصرَ لشخصيتها في هذا النص.

والموقف نفسه تتخذه الكاتبة مع العجوز بائعة الهوى في نص «نغم شريد»، إذ تتعرّض إلى فئة اجتماعية لها وضع خاص في المجتمع، تتمثل في «أشباه المتخنثين» التي يُنظر إليها بنظرة لا تخلو من خلفيات أخلاقية/ أخلاقوية بالأساس، لتركز على ما في الشخصية من خصال ذاتية محمودة وممارسات اجتماعية إيجابية شهد لها جمع النّساء في قاعة الحلاقة.. فهذه الشخصية لها دور فاعل بل متميز ومميّز في مجال العمل الذي تقوم به في المجتمع فتحقق توازنها النفسي.

هذه هي الرسالة التي أرادت الكاتبة تمريرها بلغة سلسة وأسلوب وصفي بديع أبرز قيماً أصيلة في البطل: التفاني في العمل، سرعة الإنجاز، الإتقان، الثقة (ثقة الحريفات، وثقة صاحب المحل) والشخصية هنا لا تُثير الريبة، ولا الشكّ... وهي تحقق ذاتها بالعمل باعتباره قيمة إنسانية.

وتنتهي القصة إلى أنَّ قيمة الانسان تكمن في خصاله التي تميزه وليس في جنسه أو لونه أو انتمائه الاجتماعي... وكأني بالكاتبة تُخاطب الطرف المقابل لها، أي المتلقي، وتجعله يتفاعل معها ويشاركها الرأي ويقاسمها المشاغل، مما جعل موضوع النص يحمل بعداً إنسانياً ورؤية مغايرة من دون أحكام قيمة أو رفض للآخر رغم أن الكاتبة، وبطريقة ذكية، صوّرت الواقع من خلال بعدها الذاتي لتؤثر في المتلقي حتي يتبنى موقف «نورا» ويتفاعل معه.

"نورا» البطل المتحرر من العقد النفسية داخل قاعة الحلاقة ويحاول أن يجاري السلوك الاجتماعي خارجها متقمّصاً التربية الأسرية وملاحقة التوصيات الأبوية خارحها: انفصام، عقد نفسية، معاناة وآلام تكابدها هذه الأقليات..

وفي نص «رُدّ لي وجهي» صرخة تطلقها البطلة. الأمر هنا قاطع. لمن توجه الأمر بالرد؟ هل هو التمرد من أجل الانعتاق والحرية؟ هل هو لإعادة الاعتبار؟

الوجه هو البصمة.. هو الحقيقة.. هو الهوية.. الهوية بكل أشكالها: الفردية والمجتمعية والكونية المطلقة.. وهذه القضية الجوهرية تُطرَح في هذا النص..

امرأة ومرآة: المرأةُ بكل رمزيتها، هي الأنثي، هي الأرض والخصب، هي الحياة.. والمرآة، في أبعادها النفسية، تعني «الذهاب إلى الذات"

وفي علم النفس التحليلي، أجمع الأخصائيون على أهمية دور المرآة وخطورته في بنية الشخصية وفي حياة الإنسان عموماً.

امرأة في عيادة طبيب تجميل، لا اسم لها ولا جنسية ولا لون ولا عمر. لا نعرف عنها إلا وجهها. وهكذا تُخاتلنا الكاتبة مرة أخرى لنخوض مغامرة نص آخر من نصوصها.. هل هو اختيار واعٍ منها لإضفاء بُعد كونيّ للشخصية المحورية في النص، ومن وراء ذلك القضية الحةورية المطروحة، فتدفعك لاستقراء أفكارها وقراءة ما وراء السطور؟

الوجه هو التفاصيل والهوية.. وقد يكون حمّال أقنعة أيضاً.

تحدّثت لمياء بوكيل عن أوجه مختلفة.. صور ووجوه وأجساد تُحاك في أشكالها الطبيعة.. هضاب مرتفعة وتلال وسهول منبسط.. إقبال شديد لنسوة يرُمْن تغيير ملامحهن وتغيير ملامح وجوههن بجراحة التجميل.. وانساقت البطلة المحورية في هذا النص وراء هذه الموجة-الموضة، ثمّ تراجعت واقتنعت بوجهها صارخة «ردّ لي وجهي».

في هذا النصّ طرحت لمياء بوكيل نويرة مرة أخرى، وبأسلوب سلس وذكي، ظاهرة اجتماعية نفسية انتشرت في المجتمع تتمثل في چراحة التجميل وتغيير الملامح..

لكن، من وراء الاستعارة من الطبيعة: السهول المنبسطة والتلال والهضاب، ألا يحقّ لنا أن نلج باب الدلالة والرمزية فيكون للقضية أبعاد أعمق؟ فالمرأة هي مصدر الخصب والحياة، ووجهها هويتها التي تؤصّل كيانها..

فهي الأرض التي تعاني التلوث والاحتباس الحراي القاتل الذي سبب التطرّف المناخي والسلوكي والتشوُّه.. والمرأة هي رمز الثورة التي لم يكتمل مشارها وركب عليها الغريب والربيب، فأصبحت مهدَّدة تبحث عن شيء آخر وحادت عن تحقيق أهدافها..

"رُدّ لي وجهي» صرخة أطلقتها البطلة عندما ثابت إلى رشدها، فتمرّدت على الذات ورفضت هذا «التحوير» والتعسف على الأصل.. رفضت هذا الاستنساخ الهجين، واقتنعت بوجهها وهويتها وخصوصيتها وتفاصيلها.. بطلة تعيد تأصيل كيانها وتدافع عنه وتحميه وتتمسك به.. فجاءت الصرخة لتعيد الوعي لها، فتقبض البطلة من جديد على زمام أمرها وتتحكّم في مسارها وفي مصيرها.. هي عودة للذات الواعية التي تخلّصت من الدّخيل السلبي المعولم.

"سفر في قبضة اليد» نصوص جامعة، تداخلت فيها ضروب مختلفة من الأدب: القصّة القصيرة، المذكّرة، اليومية، البورتريه.. إنها نصوص تجاوزت النمطية وحلّقت نحو آفاق محمّلة بالجديد..