الأديب الإيراني علي دشتي

الترجمة من الفارسية: د.يوسف بكار

صفوة الرأي أن الإمام الغزالي لم يستطع أن يخلّص نفسه من سلطة «العقائد التلقينية» التي ظلت سنواتٍ مدارَ بحثه ومطالعاته الراسخة والتي قضى عصارة فكره الفاعل وحركته الدائبة في سبيلها. بعبارة أخرى، إن الإيمان في هذا العالم ضرورة روحية، وإن يكن من ناحية أخرى، إدراكه وذكاؤه قويين، أو كما يقول: «وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة وُضعتا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلّت عني رابطة التقليد وانكسرت عليّ العقائد الموروثة».

إن هذا الذكاء المتوقد هو الذي حمل الغزالي على تتبع عقائد المتكلمين والفلاسفة، فظل طليق الفكر في كل اتجاه نحاه، فرصد من هذا الاقتدار مسائل مثل: قدم العالم، ونفي المعاد الجسماني، وعلم الباري بكليات أمور العالم لا جزئياته. وقادته فطرته إلى تخطئة افلاطون وأرسطو والفارابي وابن سينا، وإلى أن لا يقتنع بآراء المتشرعين السطحيين الجامدين، وأن، يدعو كذلك، بأمر من الخليفة، إلى إبطال مذهب الباطنية المخالف للعباسيين وله هو نفسه المدرّس في نظامية بغداد والفقيه المحدّث والمتكلم المسلم.

لقد أوصله مسيره الفكري والروحي إلى طريق مسدود، لكنه رأى، بأَخَرَة، أن الحل في طريقة الصوفية المقنعة لفطرته التي تنحو نحو الإيمان، والتي تخلّص طبيعته الفلسفية والتحقيقية من ركود المشرعين.

النتيجة أعجب من المقدمة، فالغزالي ظل رهينة دائرة المعتقدات التلقينية، التي لم يعثر على أي دلائل عقلية وشبه رياضية لإثباتها، ما يشي بصعوبة أن يخلّص الإنسان نفسه من سلطان العقائد التي انحصرت في التلقين والتكرار، والتي أمضى فيها سنوات قوة تفكيره بكل ثبات وسعة واقتدار، فكان لا مناص له من أن يرى أن التصوف هو الجامع.

فأما مزاج الخيّام العقلي فكان على نحو آخر، يستند إلى التعليم، كميل فكره القطعي إلى المسائل الواقعية، وتوجهه إلى العلوم ولا سيما الرياضايات وأنسه بها. وقد زاده واقع الحال والبحث عن الواقع قوة وصلابة، حتى ظن أن مسيرته الفكرية وتفرده في «علم الكليات» قاداه إلى طريق مسدود، كما الإمام الغزالي، أي أنه لم يؤيد الدلائل العقلية والمعتقدات التلقينية، فكان لا مناص له من أن يختار التصوف. بيد أن أدلته العقلية والرياضية أوقعته في الشك والحيرة، لأنه لم يرتبط بأيّ فرقة من الفرق الأربع، ولأنه، كالغزالي، لم يخضع منذ اليوم الأول للعقائد التلقينية، ولم يعد إلى المعتقدات التي لم يكن يرضاها، فرأى، لهذا، أنّ التصوف أكثر معقولية? أو في الأقل أكثر تقبلاً في احتمال الوصول إلى الحقيقة، ويلاحَظ أن في هذا المنحى تشابهاً مع المقولات الفلسفية. والصوفية يرون، كذلك، أن الكائنات تتبع نواميس اقتضتها إرادة الصانع الذي لا يتوقع أن تُنقض أو تنسخ.

أما في موضوع الخير والشر، فيرى المتصوفة، كالخيام، أنه أمور عارضة وواجبة تتصادم مع الماهيات ممكنة الوجود، أي أنها أمور نسبية واعتبارية وفي دائرة المحدود موضوعاً ومصداقية. فضلاً عن هذا، فإن الخليقة لم تكن كما ارتسمت في أذهان المتشرعين، بل هي إبداع ذات الباري تعالى، ولازمته الفياضة، والوجود منحته الإلهية.

التصوف، إذاً، هو الحل أو الجامع بين الشريعة والفلسفة، وعليه فالإنسان يخرج من ضيق عقائد السطحيين الجافة والجامدة، وينجو بروحه المنيعة من اليأس والظلم، الذي ألفاه خواء صرفاً.

فرأيُ الخيام يمكن أن يُحمل على المداراة وضرب من الحل العقلاني دون أن ننسى أنه بعث برسالة إلى أحد أمراء السلاجقة. ما يعني أن لا طريقة الفلاسفة ولا نهج الإسماعيلية كانا مورد قبول لديه. لقد رجّح، إذاً، كفة الصوفية على المتكلمين، فأخرج الفقهاء والمحدثين من الموضوع لأنهم لم يُعملوا عقولهم بل استندوا إلى الروايات والمنقولات النقلية فقط. على العكس من هذا كان الإمام الغزالي، إذ ترك التدريس في نظامية بغداد على ما له من ميزات واعتبارات وأمضى عشر سنوات في فلسطين وسورية والحجاز في التفكير والتأمل والعبادة دون أن يدخل ?ي سلك الصوفية التي مال إليها الخيام. دليل هذا أنه لم يذكر أحداً من سلسلة شيوخ الصوفية، وأن أياً منهم كالشيخ نجم الدين وسلطان ولد لم يذكروه بخير.

يضاف إلى ما سلف قرينة عقلية، هي أن ثمة أشعاراً صوفية في رباعيات الخيام القديمة. ففي رباعيات «نزهة المجالس» الإحدى والثلاثين (رباعية واحدة تشبه كثيراً كلام «سنائي» (الحكيم أبو المجد مجدود بن آدم. من شعراء القرن السادس الكبار) أو «العراقي» (فخر الدين إبراهيم الهمداني. من المتصوفة وشعراء الغزل العرفاني في القرن السابع) أو «الأوحدي» (ركن الدين الأوحدي الأصفهاني. من شعراء متصوفة آذربيجان). وفي كتاب «الأقطاب القطبية» لعبد القادر بن حمزة رباعية واحدة تستشم منها رائحة التصوف لا يمكن قبولها. يضاف إلى هذا رباعيات كث?رة في المجموعات والنسخ التي ما بعد منتصف القرن الثامن الهجري. بصرف النظر عن هذا، فإن نهج فكر الخيام الثابت والرياضي يتفاوت مع طريقة تعقل الصوفية. فحيرته تجاه الحياة، وعجزه عن تعليل الموت والحياة بنحو يتوافق مع موازين العقل أوصلته إلى نتيجة هي أن الحياة والموت ليسا من ضمن تركيب الطبائع وانحلالها، وهو ما يتنافى مع مقولة كبار الصوفية بفرضية خلق العالمK القائلين، دونما شك وتردد: «كل شيء جميل في موضعه».

لقد دلف الشك والظلمة إلى روح الخيام من يأسه وخوفه من العدم، فراح يناجي نفسه «إذا ما قضيت ليس ثمة من عودة»، في حين أن جلال الدين الرومي يجأر بكل يقين وأمل بوحدة صوفية «كل القلوب قلقة بالنسبة للعدم. هذا ليس عدماً بل هو جنة (إرم)». إنهما يتحركان في خطين متوازيين لا يلتقيان. يقول الخيام «ما معنى مجيئك إلى هذا العالم؟ ذبابة ظهرت ثم اختفت». ويقول جلال الدين: «ماذا أقول والموت يدركني لا محالة؟». ويقول: «وأكون مرة أخرى جناح ملاك أكثر مما يتصور العقل».

على الرغم من كل هذا لا يمكن أن يقال إن الخيام كان غريباً على «حوزة» المتصوفة. فمما قاله القفطي في الموضوع: «وقد وقف متأخرو الصوفية على شيء من ظواهر شعر الخيامم، فنقلوها إلى طريقتهم وتحاضروا بها في مجالساتهم وخلواتهم». لقد مات القفطي في أواسط القرن السابع الهجري وألف كتاب «تاريخ الحكماء» في أواخر القرن السادس. يتبدّى من هذا أن ثمة أشعاراً كانت متداولة للخيام استشهد بها الصوفية تأييداً لأفكارهم. بيد أنه ليس ثمة من أدلة على هذا سوى كتاب بُدئ في تأليفه يوم عرفة (9 ذي الحجة عام 628 هـ)، وفُرغ منه في 19 محرم 829 هـ. الكتاب لعبد القادر بن حمزة الأهري، وهو في الفلسفة والتصوف، مليء بالأشعار العربية والفارسية وأخبار الفلاسفة والعظماء الكبار. في الكتاب رباعيات بعنوان «كما أشار الحبر الهمام عمر الخيام، قدس الله روحه»، ثنتان منها لا توجدان في أي مصدر آخر. ?ذا دليل على أن الخيام، في نظر المؤلف، محترم، وكلامه في المسائل الفلسفية حجة ومحل ثقة. وقد اعترض الشيخ نجم الدين الداية على رباعية منها على الرغم من أن ظنّ الأصالة فيها كثير لورودها في أقدم النسخ، وهي الرباعية المشهورة » لما ركّب الخالق الطبائع..»، لأنه اشتمّ منها رائحة الاعتراض ولا تتواءم مع ذوقه واعتقاده، فلم ينسبها إلى الخيام بل جعلها تحت عنوان «كما قيل» وأجاب فوراً إجابة «كسر السّن": «بل ليصوغه أحسن وأتقن من الأولى لتجدد استعداد الهيولى».

وأورد الشيخ ملا صدرا (صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي، من فلاسفة إيران وحكمائها المعروفين في القرن الحادي عشر) الأشعار نفسها والأسلوب نفسه في كتابه «مفاتيح الغيب». ويذهب الظن بقوة إلى أنه نقلها عن كتاب الأهري دون أن يذكره. ويُستشف ضمناً أن صدر الشيرازي ينظر إلى الخيام، أيضاً، نظرة احترام وتكريم. وهذا الاحترام للخيام ما زال قائماً في عصرنا هذا.

أخيراً وقع بين يدي كتاب للشيخ عباس علي كيوان القزويني جمع فيه، مع موضوعات أخرى، نحو أربعمئة رباعية للخيام سلكها بنحو جيد في عشرة أبواب هي: التوحيد، والمناجاة، والمعارف العليا، والأسرار المحيرة للعقل، وإثبات المعاد، وميزان الأعمال، ومعرفة النفس، وذم الدنيا، وأنواع النصائح، وتعريف الخمرة.

مجموعة القزويني هذه، التي لا وجود لها عند غيره، غير قابلة للاعتماد، لأن المؤلف، على أفضاله، ليس من أهل التحقيق والتثبت، ولم يكن معنياً بالتحقق من الرباعيات الأصيلة، فجمع ما عثر عليه منها في أيّ مكان. وما يدعو إلى التفكّه والذكر تفسيره لما يقرب من خمسين رباعية على وفق ذوقه ومشربه الصوفي. فهذه الرباعية التي لا يُعرف أنها للخيام:

«من أزاهير المزارع العجوز المتسقة

ناولني زهرة يهش قلبي لها،

وألقِ الزهرة المأمولة جانباً

فإن تحت الثرى آمالاً كثيرة».

يفسرها هكذا: «الأزاهير المتسقة» تعني «العقل»، و"المزارع العجوز» معناه «عالم الطبع»، وكل قلب يرغب في أن يكون عاقلاً. فأما الآمال فـ"كطينة السدّاد الذي يسدّ به فوهة دنّ الخمرة، وما دمت تُقصي الآمال بعيداً فالخمرة لا تدع الرغوة تطفح عن الحافة. وإذا لم تبعدها أنت يكون مصيرها الموت"!

وأورد القزويني الرباعية المهلهلة الآتية التي لا أساس لها، وهي من صُنْع صّناع الأساطير:

"إلهي، لقد حطمت إبريق مدامي،

وأوصدت باب أنسي،

وسكبت خمرتي الوردية على الأرض

قُطع لساني، أأنت ثمل ربي؟!».

وقال عنها: «إنها لسان حال آدم حين طُرد من الجنة ونزل إلى الأرض. يبدو، بدءاً، أن هبوطه خلاف العقل، لأن العالم يغص بنسله وبأنين أهل الأرض وجأرهم من ذل المعاصي وألم فراق السماء، وما ذاك المجيء إلا هذا العود، الذي هو به حقيق. ولولا عصيان آدم لما تحققت مقدرات الله».

فأما الرباعية الآتية:

«قيل إن شارب الخمرة مثواه النار

هذه مقالة لا يركن القلب إليها

إن تكن النار مصير العاشق والشارب

فسوف ترى الجنة جرداء كراحة اليد».

فيوجهها قائلاً: «ما ينسبه قصار النظر والمنقادون من وجود الأشياء إلى الله كفر. وجوابي: إذا ما كان هذا من قبيل العشق واللا إرادة فليس كفراً، فإذا لم يذهب هولاء إلى الجنة تظل خالية، لأنهم لن يدخلوها أبداً».

أما هذه الرباعية :

«ما أجمل سماع صوت الخمرة في دنّها!

ما أجمل سماع أنغام الناي الحزين

والبربط الرنّان والصهباء البِكْر

ما أفضل أن تطرح غمّ الزمان وهمومه جانباً!».

فيقول عنها: «الدنّ» هو «استعداد الأعيان الثابتة»، و"الناي» هو فعاليتها في الخارج. والموجودات منسوبة إلى «الأعيان»، أي غم الزمان وهمومه، وليس الفراغ الذي نسبوه إلى الله! فأما «البربط والصهباء البكر» فالموجودات منسوبة إليهما.

مهما يكن، يمكن أن نستنبط من خلال قرائن عدة، أن وجهة معتقدات الخيام الروحية هي وجهة الندرة الذين لا يُحسبون في باب النفي والإنكار المطلقين، فهم يبتعدون فراسخَ عن معتقدات المذاهب المقولية.

الخيام يذعن للوجود المطلق، وجود أفضل من الموجودات المحسوسة، وبقوى فوق كل القوى المشهورة. لقد نسج لنفسه من كل خصائص الفكر البشري، ونزّه ذاته، في الأغلب، عن أساليبهم في الحكم والمجتمع، التي حبسوا أنفسهم فيها في حدود ضيقة ودنيئة. فهو يفترض أن كل ما وراء المدركات عامة ضعيف وضئيل دون أن يقوى على تحديده لعجزه عن إدراك ماهيته، وهو ما أوقعه في حيرة من أمره.

فأما بالنسبة للوحي والنبوة والمعاد وسائر الأصول الأولى للديانات فله فيها رأي آخر. فلم يكن مع النفي المطلق، لأنها من ضرورات انتظام المجتمع، وكان مخالفاً لنهج كل مَن يخلّ بالنظم الاجتماعي وما يستدعي التعدي على حقوق الآخرين، ونأى بنفسه عن المنهيّات العقلية المفترضة، وكان مع ما يدعو إلى تهذيب النفس الإنسانية، ويقوي إنسانية الإنسان، أي أنه كان ينحو نحو الكمال، وينأى عن البهيمية، و"السبعيّة» (نسبة إلى سبعة من أئمة الإسماعيلية)، فالوجوب والحرمة ضرورتان عقليتان وهدف الديانة الأوحد.

يعدّ الخيام، من هذا المنطلق، في زمرة المتدينين المؤمنين الشرفاء الكثر روحاً وخلقاً ممن لم ينخرطوا في المذاهب المادية، وممن لم ترحب بهم الجماعات الدينية. فالفارابي وابن سينا كانا أقرب إلى الشريعة الإسلامية من محمود الغزنوي وملكشاه السلجوقي والقادر بالله العباسي الذين كانوا، في نظر الغزالي، حماة الإسلام.

في مشرق الأرض مئات العلماء ممن لا ينضوون في المذاهب الكاثوليكية أو البروتستانتية وقد يُسخَر من رسومهم وآدابهم، بيد أنهم، من حيث المسلك والحس الإنساني، أكثر تمسكاً وعملاً بأصول الأخلاق في تعاليم المسيح.

ربما كان الخيام من هذا الضرب، ومن هذا أيضاً المقولة التي نسبها إليه، وهو يُحْتضر، الإمام محمد البغدادي. على هذا النسق كان عدد كبير من المتصوفة الكبار ممن تمسكوا بجوهر الدين ولم يعنوا بالأعراض، حتى إن بعضهم لم يُلقِ بالاً إلى العبارات الظاهرة ويأخذ بها، في حين أنهم كانوا يوجبونها على المبتدئين طريقةً وسلوكاً، لأن العمل بالتكاليف الدينية هو طريق لتهذيب النفس وتزكية الباطن.

فإذا ما أخذنا التصوف بالمعنى الأعم وعددناه تفكيراً في سر الوجود وحركة التصور في عالم الطبيعة ومفاهيم ما فوق الطبيعة، بصرف النظر عن ديانة المفكر، يمكن أن نسلك كثيرين من علماء العالم في التصوف. من مثل الدنماركي (ك. ركه جارد) والمولوي جلال الدين، وجوته (الألماني)، وحافظ الشيرازي، ورومان رولان (فرنسي، من قادة الفكر الحديث المدافعين عن السلام)، والشيخ أبو سعيد أبو الخير (فضل الدين ابو الخير محمد بن أحمد ميهني خراساني. من كبار متصوفة القرن الخامس الهجري ومحدثية). بهذا المعنى قد يكون الخيام رديفاً لمتصوفة إيران.

• مبحث من كتاب «وقفة مع الخيام»

(دمى باخيام) لعلي دشتي.