كتب - حيدر المجالي

لم يفقد جبل الحسين بريقه ورونقه منذ الستينيات وحتى اليوم، فالجبل الذي كان يسمى تاريخياً بـ (الطهطور)، ما تزال أفئدة الأردنيين تهفو إليه، وحتى رواده من الطبقة المخملية يحنون لهذا المكان الذي يُعدّ من أرقى مناطق عمان قديماً.

فالكثير من سكانه القدامى لم يغادروه، وظلوا في منازلهم القديمة الفاخرة حينذاك، وهي مبنية من الحجر المدقوق النافر، التي تعكس طرازاً هندسياً فريداً، من حيث بروز الأقواس الخارجية للأبواب والنوافذ والبلكونات والأعمدة.

فالتسمية الأولى (الطهطور) تعني (الرجم) من الحجارة الضخمة، التي كانت في معبد هرقل على جبل القلعة، وكان يقسم إلى الطهطور الشرقي (جبل القلعة) والطهطور الغربي (جبل الحسين) وقد تم تسميته لاحقاً بالحسين، نسبة الى الشريف الحسين، ووجود مدرسة كلية الحسين العريقة.

كان جبل الحسين يُعدّ من أرقى مناطق العاصمة وأكثرها ازدحاما بالحركة، غير ان التوسع العمراني الذي شهدته عمان، وتمدد الأسواق الى المناطق الغربية منها، قلل من أهميته كمركز تجاري وخاصة المناطق الشرقية.

ورغم تعدد الأسواق وتنوعها، وارتفاع «المولات» العملاقة، الا أن الكثير من رواده القدامى يأتون إليه من حين لآخر، فيقضون في شوارعه وأزقته وأحيائه أوقاتاً ممتعة، حسب ما تذكره بثينة عدنان التي هجرته منذ عشر سنوات إلى الجبيهة، فبقي الحنين يجرفها إلى المكان التي أمضت فيه أياماً لا تنسى على حد تعبيرها.

وتصف حقبة ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين كان الذهاب الى جبل الحسين نزهة حقيقية، يستمتع الزائر بشكله وبأسواقه ومعالمه، وحتى بمرتاديه، واشهر معروضات الوكالات العالمية وأسواق الملابس.

بيد أن الوضع القائم قد تغير من حيث نوعية الرّواد، ففي حين كان ممنوعاً على الطبقة الفقيرة نظراً لغلاء أسعار بضائعه، إلا أنه اليوم مفتوح للجميع، بعد أن تحول إلى منطقة شعبية، من حيث ازدياد عدد المحال التجارية وخاصة الألبسة، وهي في متناول الجميع.

والتغير الذي طرأ على جبل الحسين ليس لافتا بشكله الجغرافي أو العمراني، بمقدار ما هو واضح بتغير زبائنه، إذ كانوا من الطبقة المخملية من التجار وأصحاب المناصب العليا، بينما هم اليوم من الطبقات المتوسطة، ما انعكس على نوعية البضائع، فأصبحت تناسب القدرة الشرائية لهذه الفئة، وقضاء نزهة فيه.

تنشط حركة جبل الحسين في فصل الصيف سواء لجهة التنزه أو التسوق، فيكثر تواجد الباعة المتجولين، الذين يفترشون ممرات المشاة لعرض بضائعهم، كما تسمع فيه مختلف الألحان من أصواتهم حين يدللون على بضائعهم، أما المعالم الرئيسة فقد باتت تتلاشى شيئاً فشيئاً، بسبب التطور العمراني، وبناء المولات والبنايات العالية في أنحاء مختلفة منه.

يصف أحد سكان جبل الحسين، أنه كان منارة متلألئة ذات زمن، لكنه اليوم كأي منطقة شعبية من مناطق عمان، فحركة السوق قلت منذ عقد من الزمن، وتبدلت فئة الزبائن الذي ليس لديه قدرة مالية لشراء الماركات التجارية، بل يبحث عن الاسعار المتدنية وسط فصال عميق.

أمانة عمان تنظر إلى جبل الحسين أنه جزء من تراث العاصمة، فأولته رعاية خاصة، ونفذت في مشاريع سياحية اشتملت على أرصفة بازلتية وإنارة خاصة وممرات وحدائق في الجزر الوسطية، فظهر بحلة جديدة تجمع بين عراقة الماضي وجمالية الحاضر.

يلعب الموقع الاستراتيجي لجبل الحسين، دوراً كبيراً في اجتذاب المرتادين والزوار إليه، حيث يتبع تنظيميا لمنطقة العبدلي، وهو على امتداد شارع خالد بن الوليد الذي ينتهي بجبل القلعة، كما يفصل بين كل من جبل اللويبدة وبين الشميساني وشارع الاستقلال.

وتكمن أهميته انه يحوي الكثير من المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الخيرية والتعاونية وعدد من مقرات الأحزاب ونظراً لرخص أسعار محال جبل الحسين، حيث يشتهر بسوقه التجاري «الذي يكاد يختص بالأزياء والملابس»، فانه يعد المكان المفضل للعائلات لرخص أسعاره نسبياً، ولجودة البضاعة فيه، فضلاً عن انتشار المطاعم والمقاهي في هذا السوق.

ومن اشهر المعالم التربوية المميزة، التي يحويها جبل الحسين مدرسة سكينة بنت الحسين وكلية الحسين وكلية عمان الجامعية، وهي من اشهر مدارس المملكة وأعرقها، وقد خرجت رجالات في السياسة والاقتصاد، ونساء تبوأن مواقع متقدمة.

يفضل الأردنيون زيارة جبل الحسين في ساعات المساء، وخاصة في فصل الصيف، حيث يجتمع مئات العائلات الذين يملأون الشوارع والمطاعم والمقاهي والمحال التجارية، فترى صخب المدينة بتجلياتها، فيما ُيسمع صراخ الأطفال الذي يشي بحجم السعادة التي يشعرون بها... وسيظل جبل الحسين محفوراً في ذاكرة الأردنيين، كلما مضت علي السنون ازداد ألقاً وتوهجاً.