كتب - ناصر الشريدة

يصف اردنيون فصل الشتاء بانه اكثر فصول السنة سردا لحديث الذكريات والقصص الشعبية والتاريخية وايام الثلجات الكبار وكميات الامطار وجودة الموسم، لا لان الحديث بات في شتاء هذه الايام مختلفا، يركز على برد الجوع وقلة الامكانيات المادية واعباء الحياة، الذي لم تعد تنفع معه عبارة زمان حين تشعر بالبرد تُعبر لمن حولك انك بردان، وعليك أن تلبس مزيدا من الملابس للدفء، اما اليوم تختنق الكلمات في الاعماق ولا تجرؤ ان تقول لمن حولك انك جوعان.

وعلى امتداد السهول والجبال والتلال والوديان، تعيش أُسر اردنية، تواجه تحديات الحياة بكل صلابة وقوة وتحاول اختراق حاجز الحاجة للعمل والبناء، لكن ظروف العمل تغيرت والحصول على العمل الحر ليس بالامر السهل، ورغم قبولهم بالواقع الا ان الحكومات ما زالت تضغط بقوانينها الاقتصادية والاجتماعية عليهم، وتستصرخهم «يا سامعين الصوت».

ويرفض مواطنون اردنيون طامحون بتحسين ظروفهم الحياتية، الجلوس في بيوتهم ولبس المزيد من الملابس للاحساس بالدفء في هذه الايام، واصبح لا يعنيهم كثيرا البرد وماذا يلبسون له من حرير ام قماش، بقدر ما يهمهم العمل بغض النظر عن طبيعته ونوعيته، ووجدوا من برنامج «خدمة وطن» سبيلا لبدء مشوار التدريب والعمل.

ويقول المواطن محمد بني ارشيد، ان فرحتنا كانت كبيرة، حيث اعلنت الحكومة من خلال وزارة العمل مطلع العام الماضي، تنفيذ برنامج خدمة وطن، بمفهوم التدريب ثم التشغيل، واناطت بمعاهد التدريبي المهني التابعة لمؤسسة التدريب المهني في المرحلة الاولى، تدريب المتقدمين من المتعطلين عن العمل في مهن متعددة يحتاجها سوق العمل الاردني، واعطاء المتدربين حوافز معنوية ومادية، حيث اختتمت دورات التدريب، وكل ذهب الى غايته.

ويضيف محمد: ان الشباب المتعطل عن العمل تحفز بعد ان تعرف على اهمية برنامج خدمة وطن، وازداد حماسه حين اعلنت وزارة العمل لاحقا عن مواعيد التسجيل الكترونيا للدفعة الثانية، حيث اقبل الشباب على التسجيل باعداد كبيرة، تعكس تغيرا في تفكيره وحبه للتدريب المهني وتوفير فرصة عمل له، بعد ان كان يؤمن بالوظيفة الحكومية وطاولة ومكتب، لكن تفاجأ الشباب ان المقبولين اعدادهم محدودة.

واشتملت الدفعة الاولى من برنامج خدمة وطن العام الماضي على تدريب (2526) شابا وشابة، واستمرت لمدة خمسة اشهر في معاهد مؤسسة التدريب المهني، مقابل امتيازات معنوية ومادية.

وقالت شركات تدريب في القطاع الخاص فضلت عدم الاشارة اليها، وقعت اتفاقيات مؤخرا مع وزارة العمل لتنفيذ برنامج خدمة وطن على مبدأ «التدريب ثم التشغيل»، ان اعداد المقبولين الذين سمح لهم الالتحاق بالتدريب كان محدودا، رغم تجهيزنا لبنية تحتية لمواقع التدريب كلفت مئات الالوف من الدنانير وتستوعب اعدادا كبيرة. واضافوا، انهم مستعدون لاستيعاب المزيد من الشباب المتعطل عن العمل في برنامج خدمة وطن، اذا قامت وزارة العمل بزيادة عدد المقبولين خاصة في المناطق البعيدة عن المدن وفي الارياف والبوادي.

وقال وزير العمل الاردني نضال البطاينة، عبر وسائل الاعلام المختلفة والسوشيال ميديا، ان قبول الدفعة الثانية من المتقدمين لبرنامج خدمة وطن، تعتمد على احتياجات السوق، وتركز على التدريب المكثف المنتهي بالتشغيل، من خلال توقيع عقود مع القطاع الخاص لتوفير فرص عمل للمنتسبين»، وتشاركية مع القوات المسلحة الأردنية والجامعات، مشيرا الى رفع الطاقة الاستيعابية للبرنامج الى ستة الاف متدرب ومتدربة في قطاعات الصناعة والزراعة وغيرها.

ويقوم برنامج خدمة وطن على الحاق الشباب الذكور بدورة تدريب عسكرية مدتها شهر، تهدف الى تمكين الشباب من تحمل ظروف العمل والالتزام والانضباط فيه، وهذا يعتبر مدخلا ناجحا نحو مباشرة التدريب ودخول سوق العمل.

ولتحقيق مزيد من الخدمة للمجتمعات، يقترح مواطنون على وزارة العمل التنسيق مع الوزارات الخدمية الاخرى، باشراكهم بتنفيذ برنامج خدمة وطن، من اجل استغلال طاقات الشباب في اعمال ميدانية تقوم بها وزارت الاشغال والزراعة والمياه مثل تبطين جوانب الطرق وقنوات الري ورصف الشوارع وزراعة الاشجار الحرجية والاهتمام بها واطفاء حرائق الغابات، تمهيدا لقبولهم في دورات مهنية لاحقة تستفيد من تلك الوزارات.

وقال المواطن جميل درادكة، ان قيام وزارة العمل بتزويد كوادر وزارات الاشغال والزراعة والمياه بشباب قادرين على العمل ضمن برنامج خدمة وطن، سيعكس جوانب ايجابية في حياة المجتمعات ابرزها تشغيل المتعطلين عن العمل، وابعادهم عن قضايا اجتماعية ونفسية وتعظيم انجازات بلداتهم في مشاريع خدمة طموحة لا توفرها البلديات التي يتركز نطاق عملها على النظافة والبيئة وشوارع تنظيمية.

وكان الاردن في خمسينيات القرن الماضي ينفذ برنامج «النافعة»، وهو تشغيل المواطنين في رصف الطرق العامة والتنظيمية والزراعية، الى جانب زراعة الغابات بالاشجار الحرجية، حتى انه لم تكن تجد متعطلا واحد عن العمل من المواطنين على مدار العام، ولا حتى من طلبة المدارس في العطلة الصيفية، ما ارخى اجواء من التكافل والراحة النفسية التي كانت تلف حياتهم.

ان برنامج خدمة وطن ذو الطاقة الاستيعابية المحدودة، مقارنة مع اعداد المتعطلين عن العمل المسجلين بديوان الخدمة المدنية والبالغ عددهم اكثر من اربعمئة الف مؤهل، لا يمكن له ان يُشغل ولا يخفف من ازمة البطالة المتفاقمة، ما لم يلجأ الى زيادة اعداد الملتحقين به لتشمل وزارات خدمية اخرى مقابل مزايا تمنح لهم، الى ان يحين موعد تدريبهم وتذويبهم بذات الوزارات وفق المهن التي تدربوا عليها.