استعرضت في المقالين السابقين كيف بدأت المدينة الطبية وكيف كانت تدار في قمة ألقها الفني والإداري وحجم التوسع الأفقي والعامودي الذي حصل خلال الخمسة عقود الماضية وما الذي تغير لتفقد ألقها. وهنا تسجل ذاكرتي للمكان القراءة التالية للمشهد العام:

١) بدأت المدينة الطبية عام ١٩٧3 بمهمة رئيسية كمركز تحويلي لمعالجة العسكريين والمتقاعدين ومنتفعيهم والمدنيين ضمن اختصاصات طبية محددة بموجب تحويل ومواعيد مسبقة إلا أن هذه المهمة لم تصمد في الثلاثة عقود الماضية فشرعت أبوابها لتصبح خط دفاع أول عن المرضى وأصبح أي صاحب شكوى يمكنه الوصول الى مبتغاه في العلاج مهما كانت شكواه، وما نراه الآن هو المحصلة.

٢) يقوم التنظيم الإداري الحالي للمدينة الطبية كما علمت من أحد المديرين السابقين على أساس ربط كافة وحدات المدينة الطبية بنائب مدير الخدمات الطبية والذي عادة يكون طبيبا مختصا غير متفرغ لإدارة مجموعة الوحدات المتعددة والمكونة للمدينة الطبية. وينطبق هذا الحال على إدارة الوحدات الفرعية أيضاً وهذه وظائف أغلبها يستدعي التفرغ التام إلا إذا كان هناك إداريون متخصصون في الإدارة الصحية يعملون في هذه الوحدات لمتابعة العمل اليومي، مما أحدث التدني في مستويات الأداء العام وبالتحديد مستويات الخدمات العامة والمساندة وأفقد الإدارة المركزية عنصر المتابعة والسيطرة على مدخلات ومخرجات العملية الإدارية نظراً لاتساع نطاق الإشراف وغياب آليات التنسيق العملي.

٣) إهمال برامج التدريب وتأهيل الكوادر الإدارية المتخصصة في الإدارة والتخطيط الصحي وفتح الشواغر الإدارية في الخدمات الطبية الملكية بشكل عام والمدينة الطبية بشكل خاص على مصراعيها لضباط إدارة من الميدان بإعتبارها شواغر جيش مما أحدث التدني الملحوظ في مستويات الأداء الإداري المتخصص وغير الكثير من معالمها نتيجة القرارات الارتجالية غير المدروسة لعدم الألمام والمعرفة بمتطلبات ومعايير الأداء في هذه الوحدات الطبية المتخصصة.

٤) تعيين مديرين المستشفيات والمديرين الإداريين في وحدات المدينة الطبية المتخصصة دون أدنى تدريب أو تأهيل إداري مسبق لشاغل الوظيفة اعتماداً على معيار الرتبة فقط، وهنا أستذكر أنه في الفترة الذهبية للمدينة الطبية لم يعين مدير لمستشفى أو مدير إداري فيها دون أن يكون قد تم تهيئته إدارياً من خلال دورات إدارية خارجية وداخلية فالطبيب الناجح في تخصصه كما أن صاحب الرتبة العالية ليس بالضرورة أن يكون إداريا ناجحا.

5) إن وجود نظام حوافز في المؤسسات الخدمية ضروري ومهم لتحفيز الكوادر على مزيد من العطاء، ولكن ليس كما هو عليه الحال الآن، فتوزيع الحوافز غير عادل لأنه لا يرتبط بالأداء الفني والإداري، كما أن البونص يوزع على كبار الأطباء وآخرين. وأتذكر أننا في الفترة الذهبية لم يكن أحد يحصل على أية حوافز، وكان الحافز الوحيد هو البقاء في العمل والمحافظة على الوظيفة لا غير.

6) لا بد من التوقف، لا بل منع أية إضافات لأبنية ومراكز وخدمات جديدة في حرم مستشفى المدينة الطبية من شأنه زيادة الأعباء المالية التشغيلية ومفاقمة متاهة حركة السير داخل حرمها دون إخضاعها ل (Master Plan) ولعملية إعادة تنظيم إداري تراعي أساسيات ومبادئ التنظيم يتم خلالها تحديد الأدوار والمهام لكل مكون من مكونات التنظيم الرئيسي، وهذا من شأنه ضبط إيقاع التوسع غير المدروس الذي حصل والسيطرة على تبعاته الإدارية والمالية وانعكاساتها على مخرجات العملية الإدارية.

7) إن اعتبار الخدمات الطبية الملكية وحدة من وحدات الإسناد للجيش قد رتب عليها مسؤوليات عظيمة تجاه السياسة العامة للوطن والتي تميزت بإنشاء مستشفيات الميدان والمراكز الطبية العسكرية داخل وخارج البلاد ورفدها من المخزون البشري الموجود في المدينة الطبية بشكل خاص والخدمات الطبية الملكية بشكل عام بأطباء وممرضين وفنيين وإداريين وغيرها من متطلبات التشغيل، قد أربك العمل ورفع الكلفة المالية لها وسبب جزءاً كبيراً من مديونيتها المتراكمة التي تحدث عنها مدير الخدمات الطبية الملكية الحالي.

من ما تقدم وفي ظل ما آلت إليه الأمور في المدينة الطبية فأن جميع المحاولات والجهود الخيرة التي يقوم بها مديرو الخدمات الطبية ومديرو المدينة الطبية لمعالجة تراكمات الماضي تصبح متأخرة، لا بل محبطة لا نتائج ملموسة لها على أرض الواقع العملي. وهنا لا بد من فزعة حقيقية على مستوى الوطن تكون جزءاً من التوجه العام الحالي للحكومة لإعادة ترتيب وهيكلة القطاع الصحي العام يقوم بها فريق وطني من أطباء وخبراء ومختصين في الإدارة الصحية والتخطيط والمالية والمعلوماتية لا غاية لهم إلا العمل لإعادة الألق لمدينتا الطبية التي لا نزال نزهو ونعتز بها إلى يومنا هذا.