عاد أمين عام الجامعة العربية الأسبق عمرو موسى إلى الاضواء التي انحسرت كثيراً عنه، ولكن هذه المرّة من باب الترويج لـ«صفقة القرن» وفق رؤية فرط تبريرية مُستهلَكة، تنهض على مقولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، في مقاربتها المتهافتة لحل الصراع الصهيواميركي العربي/ الفلسطيني، مقاربة سقيمة لم تنجح رغم كل التنازلات التي انطوت عليها ثقافة الهزيمة التي استبطنتها، في استعادة أي «شبر» من الأراضي المحتلة بل وجدت الصدّ والصلف والاستعلاء من الحلف الشيطاني الصهيواميركي، على النحو الذي أوصلنا إلى حال من المهانة والإذلال وخصوصاً الا?تهتار، من قبل المستعمرين وأتباعهم في المنطقة العربية.

ما علينا..

يقول موسى في مقالة بعنوان: الاشتباك مع صفقة القرن (الشرق الأوسط اللندنية 17/2/2020) رداً على مقالة للكاتب اللبناني وصاحب العمود في الصحيفة.. سمير عطا الله, الذي كتب في مقالة سابقة: انه (عطا الله) لم يستطع ان يستوعب ما قصد موسى او ما ذكر, في تصريحاته لصحيفة المصري اليوم (31/2/2020), وبعد ان يُتحفنا الدبلوماسي العريق بكلام عمومي وخصوصا شعاراتي مغسول عن تعارُض صفقة ترمب/ نتنياهو مع القانون الدولي والشرعية الدولية وقرارات الجمعية العامة «الكاسحة», بالاضافة الى بيانات الاتحاد الاوروبي والتجمعات الاقتصادية والسي?سية الدولية.. يأخذنا - بعد وصف كلامي غثٍ ومُكرر – في رحلة تخدير طويلة ليقول لنا في ابوية مفرطة: ان «عدم الشرعية سيبقى سيفاً مُسلطاً على الصفقة» معتبرا ان هذه حجّة مهمة يجب استثمارها, ثم يتساءل في خبث: ولكن أين؟ ليجيب: ليس في مناقشة أُخرى بالجمعية العامة (ولا مانع من ذلك.. يقول) ولكن على موائد التفاوُض المُنتِجة لوثائق التسوية.

عبارات ارادها موسى مسربلة بالغموض كتمهيد للولوج إلى «الفخّ» الذي نصبه لقارئ مقالته عندما يقول: قد لا يكون من حُسن ادارة الامور رفض او تجاهل اقتراح اميركي/ اسرائيلي مُشترَك (..) واعتباره شكلا غير مقبول Irrecevable وانما - يُضيف - يجب العمل على تحويله الى ورقة ضمن اوراق اخرى, وعلى رأسها المبادرة العربية للسلام (بيروت 2002) والوثائق الشرعية المشار اليها ليجري التفاوض عليها.

هنا - وقبل ان نواصِل - يتجاهل موسى عن قصد ما انتهت اليه المبادرة العربية اسرائيلياً وأميركيا ودعوة رؤساء حكومة العدو الى إدخال تعديلات جوهرية كي يقبلوا مجرّد مُناقشتها, ناهيك عما آلت اليه «خريطة الطريق» التي طرحها بوش الابن وقيام شارون بإدخال «14» تعديلا عليها أفرغها «على بُؤسِها» من مضامينها وأحالها الى قشرة ثوم اخرى.

يُكمل السيد موسى دعوته لـِ«التفاوض» حول الصفقة, ولكن بإفصاح ووضوح اكثر بعد ان يأخذنا الى متاهة الرعاية غير الاميركية المُنفردة بحيث تُسند الى الدول الخمس دائمة العضوية, في استذكاء بل الغاء لعقولنا عندما رفضت اسرائيل طرحا كهذا (وكان لها ما أرادت) وبقيت رعاية «عملية السلام» الموهومة بيد اميركا التي تملك 99% من اوراق الحل, كما اقر انور السادات وفي عهد مبارك الذي كان عمرو موسى رئيس دبلوماسيته لعشر سنوات.

يطول الحديث عن «سردية موسى» غير المفاجِئة, لكن المساحة لا تتسع إلاّ لذكر بعض عباراته من قبيل قوله «يهمني ان اؤكد ان تغييرا لم يطرأ على اسس افكاري ومواقفي.. ولكن (يا لهذه الـ» لكن» التي يتمسك بها سياسيو عرب اليوم ودبلوماسييهم) لكن الظروف كلها تغيّرت والمخاطر تضاعفت ولم يَعد الرفض كافيا»، وكي يُضفي على اقواله الحكمة وبُعد النظر (باثر رجعي بالطبع) يقول في ما يشبه الاستهزاء: لقد رأينا ان الموقف الرافِض الذي خرج به اجتماع الجامعة العربية (وهو موقف مشكور وغير مُؤثِّر وفق تعبيره) لم ينل من الآخرين.. أصدقاء وخصوما? الا مَصمَصة الشفاه والقول المأثور We understand، وهو ما يُعبِّر - يُضيف - عن إشفاق وأسف واضح, ولكنه لا يُسمِن ولا يُغني».. ثم يواصل مختتماً في ما يُشبه الوعظ: ان ادارة الظهر والرفض ليس بالضرورة سياسة مُنتِجة» ثم يستدرِك (في تأكيد على مواقفه).. «هذا بالطبع لا يعني التنازل المنفرد ولا التطبيع المجاني ولا الهرولة الممجوجة, انما يعني الجدية والحركة المفيدة».

فـَ«على مَن يتلو موسى مزاميره في هذه المرحلة العصيبة يا ترى»؟

kharroub@jpf.com.jo