بيروت - أ ف ب

واصلت قوات النظام السوري امس عملياتها العسكرية في شمال غرب البلاد برغم موجة نزوح ضخمة تّنذر بكارثة إنسانية غير مسبوقة بعد فرار قرابة 900 ألف شخص في ظل ظروف إنسانية صعبة وبرد قارس.

بدورها أعلنت الأمم المتحدة أن رئيسة المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة لها ميشيل باشليه دعت إلى ممرّات إنسانية في شمال غرب سوريا حيث وصفت تداعيات هجوم القوات الحكومية المدعومة من روسيا بـ«المروّعة».

ونقل البيان عن باشليه قولها «لم يعد هناك وجود لملاذ آمن. ومع تواصل هجوم (القوات) الحكومية والزجّ بالناس باتّجاه جيوب أصغر وأصغر، أخشى من أن مزيدا من الناس سيقتلون».

وتواصل قوات النظام السوري هجومها على آخر جيب رئيسي للمعارضة ما يثير مخاوف من حدوث كارثة إنسانية وسط هرب المدنيين من المنطقة.

وأفاد البيان أن باشليه وصفت الأزمة الإنسانية الناجمة عن العملية بـ«المروّعة». وقالت «كيف يمكن لأحد تبرير تنفيذ هجمات عشوائية وغير إنسانية كهذه؟».

ودعت باشليه جميع الأطراف إلى فتح ممرّات إنسانية تسمح بمرور آمن للمدنيين، الذين علق العديد منهم في مناطق خاضعة لسيطرة فصائل من المعارضة.

وقالت «يواجهون حاليا خطرا هو الأكبر على الإطلاق، مع قليل من الأمل أو الضمانات للعودة الآمنة والطوعية إلى مناطقهم الأصلية أو المناطق التي يختارونها».

وقال مساعد الامين العام للامم المتحدة للشؤون الانسانية مارك لوكوك الإثنين «انهم مصدومون ومجبرون على النوم في العراء وسط الصقيع لان مخيمات (اللاجئين) تضيق بهم. الامهات يشعلن البلاستيك لتدفئة اولادهن ويموت رضع وأطفال من شدة البرد».

وأشار إلى أن العنف في شمال غرب سوريا لا يفرق «بين منشأت صحية او سكنية او مدراس وجوامع وأسوق»، فجميعها طالتها نيران القصف والمعارك.

واعتبر لوكوك «لا يمكن تفادي أكبر حكاية رعب إنسانية في القرن الواحد والعشرين سوى في حال تغلب أعضاء مجلس الأمن الدولي، وأصحاب النفوذ، على مصالحهم الشخصية» ووضعوا الوضع الإنساني أولوية لهم. وأضاف أن الحل الوحيد هو اتفاق لوقف إطلاق النار.

وتوفي سبعة أطفال، بينهم طفل رضيع لم يتجاوز عمره السبعة أشهر، جراء درجات الحرارة المتدنية والأوضاع الإنسانية «المروعة» في المخيمات، وفق ما أفادت منظمة «سايف ذي شيلدرن» الثلاثاء.

وقال سونيا كوش من المنظمة «نخشى أن ترتفع حصيلة القتلى نتيجة الأوضاع غير الإنسانية تماماً التي يجد النساء والأطفال أنفسهم فيها، وسط درجات حرارة تحت الصفر، ومن دون سقف فوق رؤوسهم أو ثياب» شتوية تدفئهم.

وأفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أن التصعيد أسفر عن «تشرّد ما يزيد عن 500 ألف طفل».

ونقلت المنظمة في بيان عن نازحة عرفت عنها باسم نادية «سرنا على الأقدام لمدة ثلاثة أيام، ونعيش الآن في خيام بعدما غرقت كل مقتنياتنا بمياه الأمطار والوحل»، مضيفة «لديّ طفل مريض جدّا (..) إن مات طفلي، فكل ما يمكنني أن أفعله من أجله هو دفنه ».

وقالت هنريتا فور، المديرة التنفيذية لليونيسف، «لا يمكن بأي حال من الأحوال تبرير الوضع السائد (...) إن الأطفال والعائلات محاصرون بين العنف والبرد القارس ونقص الغذاء والظروف المعيشية البائسة، في آن معاً».

وخلال أسابيع، سيطرت قوات النظام على مناطق واسعة جنوب إدلب وغرب حلب، وتمكنت من تحقيق هدف طال إنتظاره بسيطرتها على كامل الطريق الدولي «إم 5» الذي يصل مدينة حلب بدمشق، ويعبر مدناً رئيسية عدة من حماة وحمص وصولاً إلى الحدود الجنوبية مع الأردن.

وباتت هيئة تحرير الشام والفصائل تسيطر على 52 في المئة فقط من محافظة إدلب وأجزاء من المحافظات الثلاث المحاذية لها، حلب وحماة واللاذقية.

وقبل يومين، حققت قوات النظام هدفاً آخر باستعادتها كافة المناطق المحيطة بمدينة حلب، ثاني أبرز المدن السورية وتمكنت بذلك من إبعاد هيئة تحرير الشام والفصائل عنها لضمان أمنها من القذائف التي طالما استهدفتها.

إلا أن هذا التقدم لا يعني انتهاء العمليات العسكرية بالنسبة لدمشق، إذ قال الرئيس السوري بشار الأسد الإثنين إن «معركة تحرير ريف حلب وإدلب مستمرة بغض النظر عن بعض الفقاعات الصوتية الفارغة الآتية من الشمال» في إشارة إلى التحذيرات التركية لقوات النظام بوقف تقدمها.

وتركز قوات النظام عملياتها حالياً في ريف حلب الغربي، الذي تستهدفه غارات عنيفة تشنها الطائرات الحربية الروسية، وفق ما أورد المرصد السوري.

وأوضح مدير المرصد رامي عبد الرحمن أن قوات النظام «تتقدم باتجاه جبل الشيخ بركات» الذي يطل على ما تبقى من مناطق تحت سيطرة هيئة تحرير الشام والفصائل في غرب حلب، كما على مناطق واسعة قرب الحدود التركية في شمال إدلب تنتشر فيها مخيمات النازحين.

وتزامن هجوم قوات النظام خلال الأسبوعين الماضيين مع تصعيد بين أنقرة ودمشق تخللته مواجهات أوقعت قتلى بين الطرفين.

ووجهت أنقرة إنذارات عدة لدمشق، وهددت بضرب قواتها «في كل مكان» في حال كررت اعتداءاتها على القوات التركية المنتشرة في إدلب.