استكمالاً لحديث بدأناه في مقال الأسبوع الماضي حول المشروع الوطني الأردني، الذي رافق تأسيس الدولة الأردنية الحديثة، أود الإشارة ابتداء إلى «سايكس بيكو» تلك الاتفاقية المشؤومة التي تلت الوعد الأشد شؤماً (وعد بلفور) وألقت بشررها على وحدة الأمة العربية، وباشرت باغتيال حلمها بل وأدته تحت الجغرافيا الضيقة وربما المصطنعة والخرائط الورقية كما تفعل السكين بالكعكة! ومنذ اعلان تلك الاتفاقية وتنفيذها المتسارع جرّت علينا الويلات بوصفنا أمة واحدة نسعى إلى إقامة دولتنا القومية الواحدة، وأصبحنا مشتتين ايدي سبأ.

ومع قيام الدولة القطرية في مختلف أجزاء سوريا الكبرى أو ما ظل يعرف الى يومنا هذا ببلاد الشام، اندلع صراع لا يتوقف ولا يهدأ بين الدولة القطرية والنزعة القومية الى دولة عربية واحدة.. بل و مع انهيار الامبراطورية العثمانية والغاء الخلافة عام 1924، تنامت أيضا فكرة استعادة الخلافة وإعادة الدولة الاسلامية الواحدة.. وظل المشروعان منذ ذلك الوقت في نزاع عقيم مع ان الحلم القومي لا يلغي الحلم الاسلامي, ومع ان الحلم الاسلامي بالدولة الواحدة لا يلغي السعي الى إقامة الدولة العربية الواحدة، ولا يمنع قوميات أخرى من أن تسعى ?لى وحدتها.

وبدلاً من أن يكون صراعنا مع أعداء الاستقلال والحرية والوحدة والحياة الفضلى من الخارج تحول إلى صراع مع بعضنا، ولغايات هي أصلا لا تتناقض ولكنها تتكامل، ولا تتباعد ولكنها تتقارب، وثمرات إحداها لابد أن تساهم في إنتاج المرحلة التالية والمراحل يتبع بعضها بعضاً.

لا أقول هذا من باب التبسيط، ولكن من باب الحقيقة و الواقع، ذلك أن اشكال الوحدة كثيرة وليست بالضرورة وحدة شاملة او اندماجية فحسب.

ومن ضروب الخيال المجنح كان نجاح أعداء الأمة أفراداً وجماعات ودولا وكيانات وحركات سياسية في جرنا جميعاً إلى صراع عبثي استهلك منا الكثير من الوقت والمال والجهد لنعود الى واقع أمر من المر، ولسان حالنا يقول:

«أضاعوني واي فتى أضاعوا».

كلمات استعيد بها نحو قرنين من الزمان منذ ان جاءنا الاستعمار الأوروبي الغربي مستعينا بالصهيونية العالمية ليستعمر بلادنا وينهب ثرواتنا ويمزق بلداننا ويعيث فسادا بقيمنا وثقافتنا ويدمر آمالنا وتطلعاتنا ويمسح حتى أحلامنا، وتحت دعاوى شتى من التمدن والتقدم وحقوق الإنسان، وما زينوه لنا من أفكارهم واوهمونا أنها ستكون سبباً في نهضتنا وعوامل لتقدمنا وقوتنا الموهومة.

هذا الكلام ليس ضرباً على وتر مضاد للدول القطرية، ولا هو رفض لفكرة الوحدة العربية ولا الجامعة الإسلامية، لكنه محاولة لاستذكار بعض ما حدث حين نجح الغرب الاوروبي ومعه لاحقا الامبريالية الاميركية في زرع الكيان الصهيوني في قلب الامة العربية والعالم الإسلامي فلسطين وعاصمتها المقدسة.. لكي لا تقوم بعد ذلك قائمة للامة العربية والاسلامية، ولكي تظل الدول القطرية في الوطن العربي أسيرة ضعفها وعزلتها وقلة مواردها وتدني إمكانياتها.

وللحديث بقية..

mna348@gmail.com