التاريخ ونظريات العلوم السياسية والاجتماعية تؤكد انهيار اقتصاد الدول المستبدة ولو بعد ازدهار مؤقت بسبب التوسع الضريبي والفساد وزبائنية الولاء والمحسوبيات وتهميش الدور الرقابي للمجتمع، فتنهار الدولة ولو بعد حين بسبب ضعف مجتمعها، وبالمقابل فالدولة القوية الخاضعة للرقابة المجتمعية تزدهر وتحقق النمو والرفاه حين تعزز شراكة المجتمع في اتخاذ القرارات وصياغة السياسات الاقتصادية العامة، والقوانين والأنظمة الضريبية التي تخدم مصلحته وتحافظ على التنافسية والحافز الشخصي للاستثمار وزيادة الأرباح لتكتسب الشرعية اللازمة لها.

كما أن المجتمع اليقظ والمنخرط في رسم السياسات العامة ومراقبة النشاطات الحكومية يمتلك أدوات الضغط والتغيير ليزيد من فاعلية مكافحة الفساد والمحسوبية، وصفة التوازن هذه بين قوة الدولة والمجتمع هي الوسيلة الوحيدة الفاعلة لكسب حرية الافراد والجماعات ورفاههم وضمان قوة الدولة في آن واحد.

بعنوان «الممر الضيق» الدولة والمجتمعات ومصائر الحريات، قدم «دارون آسميغلو» و «جيمس روبينسون» كتابهما، الذي يدرس أشكال بناء الدول وعلاقاتها المختلفة مع المجتمع، وتأثير ذلك على الحريات، والرفاه الاقتصادي، وقوة الدولة عمومًا، ويبسط الكتاب في مقدمته شرح نظريته بقصة من رواية (ألس في بلاد العجائب) تروي سباق ألس مع بنت الكبة الحمراء، الذي انتهي بهما بالثبات في مكانيهما مهما بذلتا من جهد وأسرعتا في الجري، فكل شيء بقي ثابتًا حولهم، الأشجار والصخور والمشاهدون، وقفت ألس مشدوهة متسائلة عن السبب، أجابها كرت الكبة: فنحن كنا نسابق حركة الأرض الدائمة لنبقى في مكاننا.

وكذلك هي علاقة الصراع المستمر بين الدولة والمجتمع للوصول لحالة التوازن المثلى بين المجتمع القوي والدولة القوية المقيدة برقابة المجتمع عليها التي يشبهها الكتاب بالوقوف في المرر الضيق بين ثنائيات (الدولة المستبدة – المجتمع الضعيف) و (الدولة الضعيفة – المجتمع القوي).

هذا التوازن يحقق النهضة والرفاه، ففي دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا » الديموقراطية تسبب النمو» تبين أن الدول التي توجهت نحو الصلاح السياسي حققت نسب نمو أعلى بمعدل ٢٠ ٪ لإجمالي انتاجها المحلي، وكذلك كانت اقتصاديات هذه الدول أسرع نموًا بنسبة ٨٠٪ من غيرها٫ علاوة على استدامة هذا النمو لحوالي ٢٥ سنة بمعدلات بلغ متوسطها ٢، ٥٪، وقد اشتركت سياسات هذه الدول الاقتصادية بالاستثمار في قطاعي التعليم والصحة وفرض نسب ضرائب مرتفعة موزعة على شرائح دخل متعددة.

شكل التوازن وآليات الوصول اليه يعتمد على تاريخ وخصائص الشعوب وتجاربها وأعرافها وتقاليدها، وآليات عمل الدولة وشكل ادارتها وتنظيمها، وفي منطقتنا خلال السنوات الماضية انتشرت مقارنات الفوضى بغياب الدولة والامن والاستقرار في حضورها، وقليلة هي المجتمعات التي جنحت الى خيار الإصلاح، لتكسب حريتها وتستخلص حقوقها في ظل دولة قوية ومجتمع قوي متيقظ، فكلما كان المجتمع نشطاً زاد من قوة الدولة ومناعة اقتصادها.