أبواب - غدير اسماعيل

كثيراً ما نلاحظ أطفالاً يلتصقون بآبائهم عند مقابلة الغرباء ويمتنعون عن السلام عليهم وهو ما يفسره الآباء على أنه خجل زائد، ويلاحظ أحياناً عند مراقبة الطفل أنه لا يبدأ صداقات مع زملائه بالمدرسة بالرغم من رغبته في ذلك، ويمتنع عن شراء الطلبات لوالدته ويبكي عند الضغط عليه، ويتوقع نظرة دونية ممن حوله، ويكره النقد بصورة تصل للبكاء من أقل تعليق، ويشعر أنه محل مراقبة وتقييم مستمرين من الناس، ويعجز دائماً عن التعامل مع ما يواجهه من المواقف الجديدة التي تحتاج سرعة في التصرف.

وهذا جميعه ما يعانيه بعض الأطفال بسبب الرهاب الاجتماعي وقد يبدأ من الشهر التاسع ويستمر أو يختفي حسب التربية في المنزل والجو العائلي السائد، لأنّ هذه المشكلة ليست وراثية بل تظهر في العائلات حين يكون الوالدان شديدي الخوف على أطفالهما أو منطويين اجتماعياً.

ويعرف استشاري العلاج النفسي الدكتور عبد الله رعود الرهاب الاجتماعي بأنه :حالة من الخوف الشديد الذي يجعل الفرد يتجنب مواقف أو أمورا معينة فيها درجة الخطر الفعلية ضئيلة لكن درجة الخوف عند الشخص تكون عالية أكثر من اللازم».

ويضيف :«كما أن الخوف عند الأطفال هو استجابة فطرية ويتذبذب في شدته بين البسيط إلى الشديد لذلك فأن للأطفال مخاوف من الانفصال عن الوالدين وخاصة عن الأم، فحينما يذهب الطفل إلى المدرسة يضع عدة أعذار حتى لا يبتعد عن الأم، وقد يكون الخوف مرتبطا بالحيوانات والأشخاص الغرباء».

ويضيف الرعود :«هناك أسباب للخوف عند الأطفال منها أساليب التربية من قبل الوالدين التي تحوي حماية ودلالا زائدا، وهناك عوامل وراثية وبيئية فالبيئة المحيطة قد تساعد على زيادة درجة الخوف عند الأطفال، عدا عن مواقف التعلم المخيفة عند الأطفال، فقد يتعلم الطفل الخوف عن طريق مواقف معينة من قبل الزملاء والمعلمين والأسرة ومن قبل البيئة المحيطة به».

ويبين الرعود: «للمخاوف ردود فعل نفسية متمثلة في القلق والتوتر والخوف والاضطراب، وهناك ردود فعل جسدية مثل احمرار الوجه والشعور بعدم الاتزان واضطرابات في الأمعاء والقولون وضعف في ضربات القلب ونشفان الريق والحلق، والشعور بالاختناق لأن الشخص تضعف لديه القدرة على التنفس وهذه الأعراض الجسدية تختلف من شخص لآخر فبعضها تظهر على الشخص وبعضها لا تظهر، وهناك بعض الأشخاص من يراجعون العيادة النفسية يشعرون بأن هناك كهرباء في البطن وسخونة، وأحياناً يذكر البعض أن لديه تنميلا وخدرانا في اليدين وتقلصات في الرقبة وهذه جميعها ?دود أفعال جسدية للخوف والقلق».

ويتابع :«وهناك ردود أفعال سلوكية يصبح فيها الطفل انسحابيا مترددا يتجنب المواقف التي يهابها ويبتعد عن الاختلاط بالآخرين، فيبتعد عن المشاركة الصفية او إلقاء الابحاث أو المشاركة المدرسية ويستحيل أن يقوم بالتحدث أمام مجموعة من الأشخاص، وهناك ردود أفعال معرفية تتمثل في زيادة النسيان وضعف في التركيز وأحياناً تضطرب الذاكرة لديه وتصبح قصيرة المدى، فجميع العمليات العقلية العليا عنده تتأثر نتيجة القلق النفسي، فيصبح الشخص منفصلا عن الواقع».

وينوه الرعود إلى أن :«طريقة تقييم وتشخيص حالة الرهاب بشكل عام وخاصة عن الأطفال تعتمد على الشخصية الإكلينيكية لذوي الطفل، عدا عن مقابلة الطفل وكسب ثقته وبناء جسر من الثقة معه حتى ينفتح الطفل ويتحدث مع الأخصائي أو الطبيب النفسي، ومن الممكن أحياناً استخدام أسلوب الملاحظة المباشرة وغير المباشرة واستخدام بعض الاختبارات النفسية، وكذلك قد يحصل الأهل على بعض التقارير من المدرسة حول الطفل والمواقف التي يتعرض لها والتي تشكل استجابة الخوف لديه».

وعن ما تتضمن معايير التشخيص لحالات الرهاب الاجتماعي بشكل عام يقول الرعود :«خوف أو قلق شديد من واحد أو أكثر من المواقف الاجتماعية، حيث تكون هناك احتمالية أن تتم مراقبتك من قبل الآخرين، الخوف من أن تتعرض للإحراج، أو الإذلال، أو يُنظر إليك بشكل سلبي من قبل الآخرين مع احتمالية رفضك أو إهانتهم لك، قلق شديد، قد يكون في صورة نوبة هلع تحدث بشكل دائم تقريباً نتيجة التعرض للمواقف الاجتماعية».

ويضيف :«محاولة تجنب المواقف الاجتماعية أو الأدائية التي تخشاها أو تتحملها ولكن مع كرب بالغ، خوف وقلق لا يتناسب مع أي خطر فعلي من أن يُنظر إليك بشكل سلبي في هذا الموقف، والتعرض لكرب أو مشاكل بسبب ما تعانيه من رهاب تؤثر بشكل بالغ على حياتك، بما فيها وظيفتك وأنشطتك الاجتماعية وعلاقاتك الشخصية والعاطفية، وعادة ما يدوم الرهاب والتجنب المستمران لستة أشهر أو أكثر».

ويقول الرعود :«نعالج الخوف عند الأطفال حسب تكراره فإذا تكرر لعدة مرات واستمر لفترة طويلة لا تقل عن ستة شهور. وكذلك شدة هذا الخوف فهي تزيد كل مرة،هنا يصبح الطفل بحاجة إلى مراجعة أخصائيين نفسيين حتى يتم تدخل العلاج النفسي السلوكي المعرفي، وفي بعض الحالات ينتج عن الخوف بعض الأعراض الجسدية مثل التبول اللاارادي فيتم مراجعة الأخصائيين النفسيين حتى يتعاملوا مع الطفل بشكل متخصص ».

ويبين الرعود :«لا تتم مراجعة المستشارين النفسيين والأخصائيين لكل طفل يظهر عليه الخوف لأن كل حالة لها ظروفها، فإذا استمر الخوف وتكرر وزادت شدته وأصبحت معرقلة في نشاطات الطفل الاجتماعية وفي دراسته وفي تعامله مع الآخرين هنا يجب مراجعة العيادة النفسية، فبعض الأطفال يظهر لديهم سلوك الخوف والرهاب على شكل ردة فعل طبيعية لذلك هنا يجب أن لا يعرض الطفل على أخصائي نفسي لأن استجابته تتناسب مع مصدر الخوف».

ويضيف :«تدخل الأهل والأسرة مهم جداً في دعم الطفل وجعله يعتمد على نفسه، وتربيته تربية وسطية والابتعاد عن التهديد والضرب ووصفه بصفات سيئة مثل (أنت لا تفهم)، ومحاولة دعم الطفل وتدريبه على المشاركة الاجتماعية وتدريبه على أن يكون إنسانا فاعلا ».

ويرى الرعود أنه :«قد يكون الخوف بدرجة عالية عند بعض الأطفال الذين لديهم تدني في القدرات العقلية والضعف العقلي خاصة الشديد والمتوسط، لذلك ترتفع درجة المخاوف لديهم بسبب حالات الضعف العقلي، فقضية الثقة بالنفس عند الطفل مهمة جداً وبناء الثقة بالنفس والاعتماد على النفس وعدم إخافة الطفل هذه جميعها قضايا مهمة في التخفيف من المخاوف والرهاب الاجتماعي مستقبلاً».

أما علاج الرهاب فيعتمد على شدة الحالة عند الطفل. فإذا كانت بدرجات متوسطة فهنا يكون اللجوء للعلاج النفسي السلوكي اما في الحالات الشديدة والتي تصل لدرجة التبول اللاإرادي أو التبول الليلي فيمكن للطبيب صرف الادوية وذلك للتخفيف من الاعراض»

وتقول التربوية المتخصصة في مجال الإرشاد والصحة النفسية نجوى حرز الله: «الرهاب الاجتماعي هو حالة من الخوف غير المبرر من التعرض للحرج عند التحدث مع الآخرين أو اللقاء بهم ».

وتضيف :» ويختلف الخجل عن الرهاب فالخجل شعور طبيعي ولا مشكلة فيه ولكن الرهاب شعور بالقلق الدائم فيما سيظنه الناس بك، والتفكير الكثير فيما سيقولون عن شخصيتك وحكمهم عليك في أي سلوك تسلكه، والخوف المتواصل من أذى أي شخص، والخوف من ملاحظة الآخرين لتوترك والخوف من الأعراض البدنية التي تظهر لديك مثل التعرق والارتعاش ».

وتبين حرز الله :«إن الأعراض البدنية للرهاب تتمثل في تسارع ضربات القلب، واضطراب في المعدة، وصعوبة في التنفس وعدم الإتزان، ومن الأعراض الأخرى أيضاً تجنب المواقف الاجتماعية والتعامل مع الغرباء، وتناول الطعام أمام الآخرين، والتواصل البصري وحضور الحفلات أو التجمعات، وأيضاً الدخول الى غرفة يوجد فيها أشخاص كثر، وعدم اللعب الجماعي وندرة المشاركة بالحديث».

وترى حرز الله :«ينشأ الرهاب الاجتماعي لدى الأطفال نتيجة عوامل بيئية مثل الأسرة التي تعاني من المشاكل المستمرة والتفكك الأسري بحيث يقل تفاعلهم الاجتماعي، وخوف وقلق الأهل المستمر فهم نموذج لأطفالهم في التعامل مع أفراد خارج نطاق الأسرة لعدم ثقتهم بالآخرين».

وتشير إلى أنه :«عند اكتشاف المشكلة عند الأطفال على الأهل علاجها مبكراً، فالعلاج السلوكي يؤثر على الأطفال سريعاً فيتم معرفة المواقف المقلقة التي يواجهها الشخص بالتدريج، عدا عن أهمية الاهتمام بنظافة وهندام الشخص فهي تزيد من الثقة بالنفس ومواجهة الأشخاص بطريقة تدريجية ومواقف بسيطة، ولا بد من مد يد المساعدة للأشخاص الذين يعانون من هذه المشكلة بتغيير أفكارهم واتجاهاتهم».