إربد - أحمد الخطيب

النساء مفاتيح، مفاتيح الوعي المتبلور أحلاما أو معرفةً، مفاتيح الحبّ والعاطفة الجياشة، مفاتيح الحكاية والذاكرة والخلاص، بيد أن المفاتيح تختبئ وتلوذ في أسرارها، تكتسي قواقعها وجدرانها السميكة خوفًا من عالم لا ينصفها قابل لسحقها في كلّ لحظة، هكذا استهلت الكاتبة الفلسطينية أنوار الأنوار ورقتها التي قدمتها مساء أول من أمس، في حفل إشهار رواية «حبيبتي السلحفاة» الصادرة حديثاً للروائي والتشكيلي محمود عيسى موسى، ونظمه ملتقى ألق الثقافي بالتعاون مع مديرية ثقافة إربد، وشارك في مفرداته التي أقيمت في قاعة المؤتمرات في القاعة الهاشمية في بلدية إربد الكبرى، المهندس ناجح الخطيب، ومؤلف الرواية.

وأضافت في ورقتها في الحفل الذي أدار محاوره الفنان الفوتوغرافي صالح حمدوني، وحضره جمهور إربد الثقافي، هكذا يرسم الراوي في «حبيبتي السلحفاة» حكايته، إذ يسعى لمحاكاة سلاحفه بالاختباء من الحياة ومن الدّين بالثقيل، فإذا منه تفيض أنهار البوح لتتدفق ثمان وثمانون عينًا (بابًا)، من كل عين تطل شخصية تلوح ببعض الصور لتتكامل الحكاية فسيفساء أنثوية تحمل فيها المعاني، وتتجلى صور المرأة الحب، والمرأة السر، والمرأة الذاكرة، والمرأة البلاد أيضًا.

وأكدت بأن لغته قادرة أن تجاور كل النقائض بتوليفة متآلفة، لغة ترسم الجغرافيا والأماكن وتتدفق فيها الأحداث والتفاصيل وتتحرق الأشواق إلى البلاد لتلخص حكاية الفلسطينيّ من النكبة والنكسة والهجيج والمخيم وبطاقات التموين وخيانات الدول إلى الأمل الذي لا يخبو بالعودة، موضحة بأنها اللغة التي تنعجن بين يدي كاتبنا لتنبش أسرار الحكاية.

وخلصت الكاتبة الأنوار إلى أن الروائي محمود عيسى يختتم حكاية المرأة البلاد، بما تمتلك من جمال وقوة وبهاء وخضرة، ومن اختباء من ثقل الحياة أيضًا، في صرخة عميقة تتجمّع بهدوء في قارئها نقطةً نقطةً، حتى تنفجر في أعماقه بأن الأمل لا يموت، ولا يخبو أو يذوي، لكنه بحاجة لخلع كلّ تلك البزّات كي يفرش الأرض والسماء بالحرية.

ومن جهته عرض المهندس ناجح الخطيب لعنوان الرواية «حبيبتي السلحفاة» الذي يجمع كما يرى بين الحب وبين السلحفاة ثم يربطهما بنفسه، متسائلا عن دلالات السلحفاة، هل هو البطء، طول العمر، الصلابة الظاهرة والطراوة الدفينة، والوصول بعد سير طويل، وما الذي يربط هذه الدلالات مع النساء اللاتي واكبن الراوي منذ بداية تشكل وعيه.

وقال بأن الروائي محمود عيسى اختار أن تأتي الرواية على لسانه ربما ليبث المصداقية في نصه، وليحرر نفسه من الوصاية على الآخرين في رصد مشاعرهم، منوها بأن المساحة تتفاوت بين الكاتب كشخص والسارد كدور ضِيقاً واتساعا حسب مقتضيات السرد والضرورات الفنية، مشيرا إلى أن الروائي حين اختار هذه التقنية كان لا بد من تعزيزها بالتخييل تارة وبالتاريخ تارة أخرى.

واعتبر بأن الروائي لم يجد في نكبة فلسطين ضياعا للهوية، بل كشفا عنها، حيث اكتشف أن هويته تمتد في الجغرافيا الآف الأميال، وفي التاريخ عشرات القرون، وأن «إجزم» قرية الروائي، لم تكن إلا الأم التي يعني فقدانها اليتم، ولكن اغتصابها يفرض مسؤولية تاريخية لا تزول إلا باستردادها.

ومن جانبه قرأ الروائي عيسى نصاً جديدا بعنوان «لم يعد لدي»، جاء فيه: «لم يعد لديّ متسع، لتحرير الفاصولياء الخضراء، والأوطان، لتجريد خيوطها، قمعها، أليافها القاسية، لشطف لونها بلمعان ماء البئر، بدلو الهذيان، لتحرير حرير القزّ، ودوالي الزمان، لم يعد لدي متسع، لخوض معاركها، أناطحها، تناطحني، بقرون أثوابها اليانعة وتنورة الأمان.

وكان الفوتوغرافي حمدوني قال في معرض تقديمه للحفل الذي أعقبه توقيع الرواية للجمهور، أن تقرأ لمحمود يعني أن تشرع صدرك للريح، فهو لا يكتب ترفاً ولا استعراضاً، يعني أن تفتح عقلك وتسترخي تماما، فهو يكتب وعيا وتجربة، يعني أن تضحك وتبكي وتغني وتحاور ذاتك، فهو يكتب من روح الفنان والمكان والتاريخ والذاكرة، منوها أن الروائي عيسى يكتب شخصيات حقيقية ومبتكرة في آن، ويعبر من خلال المرأة إلى الحياة، إلى ذلك قرأ حمدوني فصلاً من الرواية المحتفى بها.