أ.د. جودت أحمد المساعيد

خبير المناهج وطرق التدريس

توجد مجموعة من الصفات أو الخصائص الجسمية والسلوكية والاجتماعية، التي يمتاز بها بشكلٍ واضح الطلبة من فئة الموهوبين والمتفوقين. فمن حيث الصفات الجسمية، أشارت نتائج الدراسات القديمة التي أجراها كلٌ من تيرمان وأودن (Terman&Oden)، إلى أن معدل النمو الجسمي للطلبة الموهوبين من بين الذين شملتهم الدراسة كانت أفضل من المتوسط العام لزملائهم الطلبة العاديين. ولكن رغم تشابه الطلبة الموهوبين في مظهرهم العام، إلا أن هناك تأثيراً لهذا المظهر على توقعات الناس وإدراكهم لها. فمثلاً، يؤكد الناس الموهوبون بصورةٍ عامة على الشكو? المرة التي يشعرون بها وهي أنه من الصعب أن تعيش عيشةً عاديةً حتى من الناحية الجسمية، وذلك عندما يتوقع منك الناس أن تنجز كل شيء بمستوىً رفيع للغاية، ولسبب بسيط يتمثل في أنهم ينجزون بعض الأشياء القليلة فقط بشكل متميز، وذلك بحجة أنك عبارة عن شخص موهوب أو متفوق ينبغي أن تحقق ما يعجز الكثيرون عن إنجازه أو القيام به.

ويجادل بعض الموهوبين الآخرين في أن معدل القدرات الجسمية والحركات والتمرينات البدنية والرياضية تظل أقل في مستواها رغم جودتها، وبخاصة إذا ما قورنت بمستوياتهم وقدراتهم المتميزة في المجالات الأخرى كالتميز المعرفي والأكاديمي، والتفكير العميق في الأمور والأشياء المجردة والمحسوسة معاً، والعمل على مقارنتها وتحليلها.وقد أوضح جلاجر Gallager أيضاً بأن الموهوبين من الطلبة دائماً مختلفون جسمياً، وضرب مثالاً على ذلك قائلاً: لو تم تخصيص ثلاثة ملايين من الطلبة ممن هم في سن الثانية عشرة من العُمر، والطلب منهم الوقوف على ال?ريق العام الواصل بين مدينتي نيويورك وشيكاغو والبالغ طولها أكثر من ألف كيلو متر، وإذا ما قام معلم بقيادة سيارته للمسافة ذاتها، لاستطاع أخذ صورة جيدة للغاية عن الخصائص الجسمية لهؤلاء الطلبة.

ولو افترضنا أن الطلبة الموهوبين من بين الثلاثة ملايين قد تم وضع ربطةٍ حمراء حول العنق لتمييزهم عن غيرهم، لكان بالإمكان التأكد فيما إذا كانوا جسمياً متشابهين تقريباً معهم أم لا. وإذا ما سأل أحد المهتمين بالموهبة والتفوق المعلم الذي قام بالرحلة ما بين المدينتين عن الخصائص الجسمية للطلبة الموهوبين والمتفوقين، فربما يجيب قائلاً: إن وزنهم أكثر قليلاً من رفاقهم الآخرين. ومع ذلك، فقد يجد المعلم نفسه بأن واحداً أو أكثر من الذين يلبسون ربطة حمراء من الطلبة هم نحيفو الجسم، ولا تنطبق عليهم الصفات الجسدية العامة للطلب? الموهوبين والمتفوقين.

أما عن الخصائص السلوكية لهذه الفئة المتميزة من الطلبة، فإن معظم المتخصصين والمهتمين بعلم الموهبة والتفوق يجادلون بقوةٍ على أنه ليس من المفيد الاهتمام بالخصائص أو القدرات الاجتماعية والعاطفية والتكيفية للطلبة الموهوبين، وذلك لسببٍ بسيطٍ للغاية يتمثل في أنهم يختلفون بشكلٍ كبير. ومع ذلك، فهناك بعض الأنماط السلوكية المعروفة للأطفال الموهوبين تتمثل في أنهم لا يرتبطون بعلاقاتٍ اجتماعيةٍ جيدةٍ مع أقرانهم من بقية الطلبة الموجودين معهم داخل الحجرة الدراسية. ويعتقد الكثير من الناس بأن معظم الطلبة الموهوبين يميلون إل? العزلة عن الآخرين، في حين أكدت دراسات ميدانية أخرى على أن نسبة لا بأس بها منهم لديهم شعبية على المستوى الاجتماعي ويستمتعون كثيراً بإقامة علاقاتٍ مع ذوي المستوى الاجتماعي الرفيع. ومع ذلك، فالكثير من المشكلات تظهر من وقتٍ لآخر في ضوء حاجاتهم واهتماماتهم وقدراتهم ذات السقف العالي.

فالطلبة الموهوبون لديهم حاجات اجتماعية وانفعالية متميزة عن غيرهم من الأقران، مما يتطلب الإلمام الدقيق بها من جانب المعلم الناجح، والعمل بإخلاصٍ على تحقيقها. وتحتاج المطالب الوجدانية والانفعالية لهؤلاء الطلبة بأن يتم تشجيعهم على تحقيق هذه المطالب من خلال إقامة علاقات متنوعة مع الأقران، ومن خلال التفاعل مع نماذج من الأشخاص الراشدين الذين يمثلون القدوة التي يمكن للموهوبين والمتفوقين الاستفادة منهم والتعلم من آرائهم وأفكارهم ووجهات نظرهم، وقبول قدراتهم ومطالبهم وحاجاتهم المتنوعة والمتغيرة من وقتٍ لآخر.

وعلى الموهوبين والمتفوقين أيضاً أن يتعلموا كيف يتقبلوا أدوارهم كمنتجين للمعرفة وللأعمال الإبداعية المتميزة، وأن عليهم أيضاً تطوير عادات البحث والاستقصاء باستمرار، مع التركيز على الاستقلالية فيهما. ومع ذلك، فإنه ليس من غير العادي على هؤلاء الطلبة الذين يواجهون التحديات مع معلميهم ومن الخبرات أو الأنشطة التعلمية المختلفة التي تم توفيرها لهم، بأن تكون لديهم إمكانية التكيف اجتماعياً وأن يحققوا توقعات أولياء أمورهم ومعلميهم في المجال الاجتماعي والسلوكي.

وفي الوقت ذاته، فإنه توجد بعض خصائص التواصل للطلبة الموهوبين مع الآخرين، حيث يميل الطلبة الموهوبون في الغالب إلى التواصل الممتاز مع أقرانهم من العمر نفسه. كما أنهم في الوقت نفسه يميلون إلى الترابط والتواصل مع الأطفال والراشدين الذين يتواصلون معهم بالمستوى ذاته. فتخيل مثلاً أنك تستمع إلى محادثة طلابية في المرحلة الثانوية حول قضايا اقتصادية عامة. وهنا، فإن المجموعات يمكن لها أن تتناول هذا الموضوع بعدة مستويات، حيث يمكن أن تتحدث إحدى المجموعات عن تكاليف الحياة، وفيما إذا كان بالإمكان توفير المال الكافي للعيش ?لمناسب والمريح. وفي الوقت ذاته، فإن مجموعة أخرى يمكن لها أن تهتم بالسياسة الاقتصادية العامة السائدة ومناقشة الأساليب والوسائل التي تجعل قوانين العرض والطلب تؤثر على تكاليف الحياة اليومية، وعلى مدى توفير البضائع والخدمات، وغير ذلك من أمورٍ عديدة لها علاقة بحياة الناس وأنشطتهم المتنوعة.

ونظراً لأن الطلبة عموماً يبحثون عن مستويات خاصة بهم للتواصل مع الآخرين، فإن الموهوبين والمتفوقين من الطلبة غالباً ما يستمتعون كثيراً بالتحدث والمناقشة مع من هم أكبر منهم سناً، أكثر مما يتحدثون مع أقرانهم من ذوي العمر المتقارب. ومثل هذا التوجه لهؤلاء الطلبة سوف يؤثر على طبيعة الجو الاجتماعي السائد عند تشكيل المجموعات داخل الحجرة الدراسية. وعلى المعلمين أخذ ذلك بالحسبان جيداً، وذلك عند تشكيل مجموعات بين أكثر من صفٍ دراسي في المدرسة ذاتها، وذلك عن طريق وضع هؤلاء الطلبة الموهوبين والمتفوقين مع طلبة ومستويات در?سية أعلى وأعمارٍ أكبر منهم سناً، ولا سيما عند عقد الندوات أو تحديد اللقاءات أو إقامة حلقات البحث والنقاش حول قضية من القضايا أو مشكلة من المشكلات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو العلمية أو الثقافية المختلفة.

profjawdat@yahoo.com