الدكتور عامر العورتاني

أخصائي علم الإجتماع

إن المتمعن في طبيعة العلاقات الإنسانية التي تسود المجتمعات على اختلاف ثقافاتها، لا بد وأن يلاحظ ذلك النسيج المتشابك من العلاقات التي تشكل حالة متفردة بين الكائنات، ذلك أن الإنسان يسير عبر مراحل تنشئته المختلفة في طريق يؤدي في نهايته إلى اكتسابه الشخصية التي تميزه، من خلال استيعاب طرق الحركة والفعل اللازمة من معايير وقيم وتمثلات اجتماعية بغية تحقيق درجة من التوافق النسبي عبر سياق الحياة الشخصية والاجتماعية للفرد.

والتنشئة الاجتماعية عملية تفاعلية،الغاية منها اكساب الفرد صفة اجتماعية من خلال تزويده بالكثير من الإتجاهات النفسية والاجتماعيةعن طريق التعلم والتقليد، ما يطبع سلوكه بالطابع الاجتماعي، وهو ما يجعله في نهاية المطاف قادرا على أن يعيش ضمن معايير جماعته الإنسانية ويتعامل معها بقدر مناسب من التناسق بما يحقق التوافق والانسجام معها.

والتفاعل الاجتماعي هو العملية التي يصدر عن الأفراد من خلالها الفعل ورد الفعل تجاه الآخرين، حيث تتخذ هذه العملية عددا من الأشكال التي تمثل جانبا كبيرا من روتين حياتنا اليومية في صورة تناغمية بين المشاعر والسلوك، إلاّ أن أنماط السلوك التي يمارسها الفرد ليست دائمة التطابق في تكرارها، فما أكثر المفاجآت التي تتداخل مع نمط الحياة اليومي للفرد مفرزة تأثيرات تفقد النمط المعتاد صفته الروتينية، ما يجعل مشاعر الفرد وسلوكه تتحرك في اتجاهات لا حصر لها على نحو إما أن يثيرسعادة الشخص أحيانا أو أن يلقي به بين براثن الغضب ?التعاسة أحيانا أخرى، وبين هذا وذاك تبقى مسألة الغزو المباغت لهذه التغييرات لحياة الأفراد مسألة حتمية فالانتقال إلى وظيفة جديدة، أو الزواج، أو تغيير مكان الإقامة،أوخوض تجربة الأمومة والأبوة لأول مرة، وحتى التقدم في العمر،جميعها تغييرات تشكل مراحل جديدة تتطلب من الفرد خوض غمار معركة داخلية لإرغام نفسه على التكيف والاستقرار عبر روتين جديد وأنماط سلوكية جديدة.

والحقيقة أن هذا ما يعتبر سرّ الإنسان ومكمن تميّزه عن سائر المخلوقات، وقد تحدث انتوني غيرنز في كتابه «علم الاجتماع» أن دراسة الحياة اليومية للبشر تبين كيف يبدعون في ابتكار أفعال مختلفة وخلاّقة يسهمون بها في إعادة تشكيل واقعهم، رغم أن ثمة مؤشرات وعوامل أخرى تفرض نفسها أو تحدد الجوانب الرئيسية في السلوك الاجتماعي مثل الأدوار والمعايير والتوقعات المشتركة، غير أن الأفراد يميلون إلى إدراك الواقع حولهم بطرق مختلفة اعتمادا على طبيعة الخلفيات التي نشأوا فيها، والبواعث التي يستهدون بها، والمصالح التي يسعون لتحقيقها،?ولأن لدى الأفراد القدرة على الفعل الابتكاري الخلاّق، فإنهم بالتالي قادرون على إعادة تشكيل واقعهم وذلك من خلال ما يتخذونه من قرارات وما يقومون به من سلوكيات، بعبارة أخرى فإن الواقع ليس ثابتا أو ساكنا، فالتغييرحقيقة ثابتة تعين الإنسان على إعادة تشكيل الواقع من خلال التفاعلات البشرية.

والتفاعل الاجتماعي شديد الصلة بموضوع الأنساق الاجتماعية، إذ تعتمد الأخيرة على أنماط التفاعل الاجتماعي التي يمارسها الأفراد بشكل يومي من خلال العلاقات التي تنشأ بين الأفراد، فالعلاقات هي مجموعة من الروابط والآثار المتبادلة التي تنشأ كاستجابة لنشاط أو سلوك مقابل، والاستجابة شرط أساسي لتكوين علاقة اجتماعية، والعلاقات لا تقتصر على الأفراد أو الجماعات فهي متبادلة أيضا بين الظواهر والنظم، وهي في الحقل الاجتماعي إما أن تكون سببية أو وظيفية، ما يجعل دراسة طبيعة العلاقات الاجتماعية أمرا مهماً بهدف الوصول إلى منظومة?القوانين الإجتماعية التي تصوغ معادلات العلاقات الضرورية الكامنة في طبيعة البشر والتي تشكل ضرورة من ضرورات الحياة وهو ما دفع ابن خلدون للحديث حولها في أغلب أقسام مقدمته الشهيرة.

ويفرق العلماء في موضوع العلاقات بين المؤقت والدائم منها استنادا إلى درجة الثبات والإنتظام والاستقرار،فالعلاقات المؤقتة يطلق عليها اصطلاح «العمليات الاجتماعية »، وهي علاقة في مرحلتها التكوينية، فإذا ما استقرت وتبلورت واتخذت شكلا محددا واتخذت صفة الديمومة فإنها تصبح «علاقة اجتماعية»، ما يجعل معيار التفريق بين العملية الاجتماعية والعلاقة الاجتماعية مرهونا بالفرق في الدرجة وليس في النوع.

يعتمد التفاعل اليومي على صلة خفية بين تعبيرنا بالكلمات، والمعاني، و بين الإيحاءات التي يتم نقلها عبر العديد من الإتصالات غير الشفوية، ومن بينها تعبيرات ملامح الوجه،أو ما يعرف ب » لغة الجسد »، إضافة إلى الدمج ما بينهما لتعزيز الموقف المراد التعبير عنه، إلاّ أن اللغة لا زالت تمثل المحور الجوهري للحياة الاجتماعية، وهو ما جعل الأشكال والأساليب التي تستخدم بها اللغة محط اهتمام العديد من الباحثين.

يتمثل جانب من التفاعل اليومي الذي تتم به صياغة علاقات الأفراد اليومية بما يتم التفوه به من كلمات، في حين يتمثل الجانب الآخر في الأسلوب الذي يتشكل فيه القول في السياق الاجتماعي، وإن محادثات الأفراد اليومية بصرف النظر عن أهميتها وقيمتها، تفترض مسبقا وجود تفاهمات مشتركة ومعقدة، وأنواعا من المعارف المتبادلة التي تدخل مجال التواصل والتفاعل بين الأطراف المعنية، وما نقوم به من حديث عفوي عابر هو في الواقع يحمل درجة من التعقيد أحيانا، فالكلمات المستخدمة في الأحاديث الإعتيادية لا تنقل معاني ومفاهيم محددة دائما، بل إ? الأفراد قد يثبتون ويؤكدون ما يقولونه وفقا لما لديهم من افتراضات غير معلنة عما يمكن أن يقوله الآخرون.

«الدنيا مسرح كبير، و أن كل الرجال والنساء ما هم إلاّ لاعبون على هذا المسرح» مقولة للكاتب الكبير وليم شكسبير، وقع هذه المقولة تردد صداه في العصر الحديث حيث استخدم غوفمان وكثير من علماء الاجتماع مصطلحات مستمدة من عالم المسرح في تحليلهم للتفاعل الاجتماعي، فمفهوم «الدور الاجتماعي» على سبيل المثال مرتبط في الأداء المسرحي، والأدوار في علم الاجتماع تعني التوقعات التي يحددها المجتمع لما سيقوم الفرد به ويلتزم بأدائه بحسب موقعه في المجتمع، وينظر غوفمان إلى الحياة الاجتماعية باعتبارها سلسلة من الأدوار التي يقوم بها ?لأفراد الفاعلون على خشبة مسرح الحياة، وأن الطريقة التي يتصرف بها الفرد تعتمد على طبيعة الدور الذي يقوم به، وأن الأفراد حساسون لنظرة الآخرين تجاههم، فهم بالتالي يستخدمون أشكالا متعددة من الإدارات لتشكيل الانطباعات التي يدفعون بها الآخرين إلى الاستجابة لما يقومون به، ورغم أن الأفراد واعون لما يقومون به بهدف توجيه الانطباعات الوجهة التي يبغونها، إلاّ أنهم يقومون بذلك على نحو عفوي وغير واع في كثير من الأحيان.

وفي إشارة إلى عالم الاجتماع أنتوني غيرنز، يؤكد أن فهم الكيفية التي تتوزع فيها الأنشطة زمانا ومكانا، تعتبر من الأمور الجوهرية لتحليل اللقاءات واستيعاب الحياة الاجتماعية بصورة عامة، فجميع أشكال التفاعل «متموضعة» بمعنى أنها تحدث في مكان معين وخلال فترة زمنية محددة، فأفعال الأفراد خلال يوم واحد «متزمكنة» أي أنها تدور في اطار زماني ومكاني محددين، وعندما نقوم بتحليل السياقات التي يجري فيها التفاعل الاجتماعي، فإن من المفيد النظر إلى حركات الناس وأنشطتهم، وإدراك كيفية التقاء الزمان والمكان في منظومة التفاعلات البش?ية، ما يساعد على فهم المسار الذي تتخذه الحياة الاجتماعية في حالة التقاء الزمان بالمكان.

إن التقدم التقني في العصر الحالي والذي اتخذ أشكالا وبرمجيات حديثة تتطور بأجيال متسلسلة،أتاحت فرص التفاعل بين الأفراد من شتى بقاع العالم دون سابق معرفة مباشرة، فأعاد هذا التغير التقني ترتيب المكان ليتمكن الأفراد من التفاعل دون اطار مكاني محدد، كما عدلت هذه التقنيات من كيفية تواصلنا مع الزمن، فالتواصل يتم بصورة لحظية، وهو ما يؤكد على الترابط الوثيق بين أشكال الحياة الاجتماعية من جهة، والقدرة على التحكم والسيطرة على المكان والزمان من جهة أخرى.

ومع تسارع نبض الحياة الحديثة، أصبح البشر أكثر عزلة عن بعضهم البعض، فالتفاعل اليوم يتم في غالبه عبر أجهزة الحاسوب والتطبيقات الذكية لوسائل التواصل الاجتماعي، ما قلل بالمقابل التفاعل بين الأفراد داخل المجتمع الواحد وعلى اختلاف درجة التقارب بينهم، وهذا لا ينفي أن هناك حرصا خجولا على التواصل الإنساني المباشر طلبا للدفء وحرارة المشاعر وجمال اللقاءات.

وتبقى علاقة الإنسان بذاته أولى العلاقات، فإما أن يتقبلها ويعمل جاهدا لبنائها وتنميتها، أو يرفضها ويعمل بسلبية شديدة محاولا إبعادها عن الديناميكية الفعالة في أحداث حياته، ما يجعل الآخرين يعاملونه بذات السلبية، الأمر الذي يلقي بظلاله على حياته الشخصية والاجتماعية.

إذا فالتفاعل الإجتماعي هو إحدى المهارات التي على الفرد اتقانها من أجل التعايش مع أفراد المجتمع الذي ينتمي إليه، فالمجتمع يسند إليه أدوارا متعددة ومتباينة ومتقاطعة، فإما أن ينجح في أدائها أو أن يفشل، والحكم هنا عدد من المتغيرات التي تحكم طبيعة المعادلة الاجتماعية.

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com