د. محمد اللوزي

استشاري الأمراض الباطنية والكلى

هما قاعدة التواصل بين الطبيب، حيث يبوح المريض لطبيبه تلقائيًّا وبحسن نيّة عن أمور حسّاسة وشخصيّة مفصّلة لكنّها مهمّة من أجل صحته؛ شعورًا منه بالأمان. إنّه شريك ويرغب في نجاح هذه المهمّة (التطبيب) مع شريكه؛ وذلك لعلمه اليقينيّ أنّه محافظ على سرّه الطبيّ، كتوم لأسراره ولا يشي بشيء منها تحت أيّ ضغط كان.

أكّدت المواثيق الدوليّة، ومنها إعلان جنيفا 1948/1994 أنّ الطبيب سوف يحفظ أسرار مريضه لنفسه حتّى بعد وفاة مريضه.

لكن، لماذا كلّ هذا الإصرار؟

لأنّ خصوصيّة المريض يجب ألاّ تكون محلّ تفريط بها، ويتعيّن على الطبيب والعاملين معه أن يتذكّروا ذلك جيّدًا. فالمكان في المستشفى قد لا يكون مغلقًا أثناء الحديث إلى الطبيب، فيحدث أن تكسر هذه القاعدة دون علم أو انتباه المعنيين، فالأسرّة محاطة بستائر رقيقة لا يمكنها عزل صوت المتحدّثين المتوارين خلفها، والملاحظات المدوّنة بالإضبارة المرضيّة التي تكون بين يدي الطبيب المتدرّب والممرّضة المسؤولة قد لا تكون في مأمن، وحتّى المسؤول عن نقل المرضى في المصعد قد يشي بدروه بشيء من خصوصيّات المريض، كما أنّ المعلومات القيّمة?التي تطلّع عليها سكّرتيرة الطبيب أثناء طباعتها التقرير المرضي قد لا تسلم هي الأخرى من البوح، إذ قد لا تعي السكّرتيرة أهميّة حفظها... إنّها معضلة مركّبة جدًّا، والكتمانيّة فيها أمر يجب على الطبيب دومًا أن يذكّر فيه هذه السلسلة المتتالية من الطاقم الطبّي العامل معه.

إنّ كمال أخلاقيّات الطبيب ركن من أركان المهنة الطبيّة، وإنّ المحافظة على السرّ الطبيّ هو أمرٌ أساسيٌّ، حيث يطّلع الطبيب على كثير من أسرار المريض التي يهمس إليه بها كجزء من البحث عن التشخيص والعلاج السليم، فلا يجوز للطبيب أن يفشيها، ولا يجوز له أن يزوّد أحدًا من أقارب المريض أو أبنائه أو زوجته بمعلومة طبيّة دون علم أو طلب منه، فإنّ ذلك قد لا يبدو صحيحًا أبدًا، بل يجب على الطبيب – إن لزم الأمر- أن يطلب إلى المريض اختيار الشخص الذي يرغب بكشف حالته المرضيّة أمامه، وقد يفضّل المريض أن يحتفظ بها لنفسه. فالإجابة ?ندك أنت أيّها الطبيب حين تُسأل عن حالة المريض... اسألوا أنتم المريض، فهو لم يفوضّني بمناقشة ذلك مع أحد منكم.

وفي حال كان المريض فاقد الوعي مثلاً، يوصَى الطبيب أن يذكر للوريث الأوّل Next of Kin موجزًا عن حالته ممّا كتب في الإضبارة المرضيّة.

تذكّر دومًا أيّها الطبيب أنّ صمّام الأمان لحفظ أسرار المريض يتمثّل بالاستناد إلى موافقته على ذكر بعض المعلومات عند مذكّرة شركة التأمين مثلاً. في حين تدوّن على الإضبارة المرضيّة في كثير من البلدان والمراكز الملاحظة التالية: (لا يسمح للمريض بقراءة المحتوى أو الاطّلاع)؛ وذلك لغايات حفظ المعلومات وتخفيف قلق المريض، إلى حلول عام 1990 حيث منح قانون Access to heath Records Act المريض حقّ الاطّلاع على الإضبارة المرضيّة، وعلى سجّل حالة المريض بما يتضمّنه من معلومات.

إنّ من الطبيعي أن يشارك الأطبّاء بعضهم المعلومات عن المريض بصفتهم فريقًا واحدًا لهم الغاية النهائيّة نفسها، ولكن يتعيّن عليهم جميعًا المحافظة على سريّة هذه المعلومات وعدم تعريضها للنشر أو الإشاعة، أو إبدائها أمام العامّة من الناس دون إذن المريض أو وليّه الشرعيّ.

ولكن ثمّة استثناءات لهذا الائتمان حيث يكون إعطاء الخبر أو المعلومة واجبًا إنسانيًّا وجزءًا مهمًّا يجب ألاّ يحفظ أكثر أو أبعد ممّا هو مقبول كحالات الولادة مثلاً، أو الإخبار عن الوفاة، أو الإصابة بمرض معدٍ يضرّ بالمجتمع، أو إنهاء الحمل لأسباب طبيّة، أو الإصابة بمرض الصرع وما يصحبه من مخاطر على الأطراف المحيطة بالمريض، ويمكن توسيع هذه الأمثلة إلى حالات إجراميّة أو ما شاكلها. وفي حال طُلب قانونيًّا إلى الطبيب شرح الحالة أمام القضاء لأسباب متنوّعة فإنّه يتعيّن عليه ألاّ يتوانى في ذلك مطلقًا. فالأطبّاء هم مواطنو? أوّلاً وأخيرًا، وإنّ ائتمانهم على أسرار مهنتهم لا يتعارض بحال من الأحوال مع واجبهم الوظيفيّ، ولا يعفيهم البتّة منه.

مصداقيّة الطّبيب

تعتبر مصارحة المريض بالحقيقة بأقرب صورها الإنسانيّة من أبجديّات الالتزام الأخلاقيّ التي يتعيّن على الطبيب التشبّث بها، علمًا أنّ الحقيقة المطلقة لم يصل إليها أحد بعد؛ ذلك لأنّ ما يقال اليوم عن مرض ما قد يتغيّر بعد حقبة أو أكثر من العمر تبعًا لتقدّم العلوم الطبيّة والأبحاث العلميّة في هذا المجال.

وتتجلّى المصارحة بأبسط صورها في عدم خذلان المريض، وتلافي الكذب عليه باستخدام جمل غامضة مبهمة لا تكشف بوضوح طبيعة مرضه أو مستقبل ذلك المرض، سواء أكان ذلك بقصد أو دون قصد، وبصرف النظر عن الكذب صراحة على المريض أو محاولة الالتفاف بالمعلومة وتحريفها لتظهر بصورة مغايرة للمقصود، فمثلاً توصف كلمة (سرطان) في مفهومها الشعبيّ بأنّها أسوأ ما يمكن أن يسمعه المريض أو ذويه، وذلك لتلازمها دومًا مع الألم المبرح والموت المحتّم وفقًا لمخزون ذاكرتنا الشعبيّة في ما يتعلّق بهذه التسمية، وما ارتبطت به من قصص مضخمّة لهذا المعنى.

فقد يستبدل الطبيب كلمة (ورم) بكلمة (سرطان) كونها أكثر لطفًا منها، وأقلّ وطأةً على النفس، وفي الحالتين كلتيهما ثمّة بعض الإصابات التي شفي منها صاحبها تمامًا وعاش طويلاً، خلافًا لما تعلّمناه في سنوات الطبّ الأولى.

إنّ المجلس الطبيّ البريطاني GMC 2001 وإعلان هلسنكي بخصوص المرض والمريض وحقوقه يحتّمان على الطبيب قول الحقيقة أخيرًا، والسؤال الذي يبرز في هذا المجال هل قول الحقيقة مريح دائمًا؟

تتباين الإجابة على هذا السؤال بتباين الثقافات المجتمعيّة، حيث تظهر الإحصاءات أنّ ما نسيته 80% من مجمل المرضى في المجتمعات الأوروبيّة يرغبون بمعرفة حقيقة مرضهم، والوقوف على تفاصيله ومضاعفاته، بل ويطلبون ذلك من طبيبهم؛ ممّا يجعل الأمر أشدّ وطأة عليه. في حين تميل المجتمعات الآسيويّة (الشرقيّة والعربيّة) إلى التحفّظ والكتمانيّة لا سيّما إذا كان المرض خطيرًا، ولا عجب أن تجد ذوي المريض يخفون ذلك على مريضهم خشية الانعكاسات النفسيّة التي قد يتعرّض لها.

يثقل قول الحقيقة كاهل الطبيب ويربكه في البحث عن الطريقة التي سيصرّح بها بتلك الحقيقة، كيف سأقول ذلك؟

قلها بألطف الكلام وبروح من المصداقيّة والعاطفة التي تشعر المريض أنّك إلى جانبه، وأنّك ستقدّم له كلّ وسائل الدعم الممكنة ليكون الأمر هيّنًا عليه، ابذل ما في وسعك لطمأنته، وأنّك لن تؤولَ جهدًا في تسخير الإمكانات الطبيّة المتاحة للتغلّب على المرض والسير قدمًا نحو طريق الشفاء.

قلها باحتراف ومهارة تنمّان عن مشاطرتك همّه، وتحمّل المسؤوليّات الإنسانيّة كافّة تجاهه. اثبت له أنّ المرض هو عدوكما معًا، وأنّكما ستقاتلان بشجاعة لدحره، ذكّره بالله، وبفاعليّة سهام الدعاء في التغلّب على القدر.

إنّ الحقيقة التي أذعنتها للمريض قد تخطئ وقد تصيب، فلا تستبق الأمور، ولا تستشرف النهاية قبل بداية المسير، فعلى كلماتك ونظراتك وردود أفعالك وهمساتك تعلّق الآمال، لا تستسلم باكرًا كي لا ينهار باكرًا. لا تجعل في موقفك من المريض كما في شهادة الشاهد أمام القاضي حين يقول: «أقسم بالله أن أقول الحقيقة، كلّ الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة»؛ لأنّ ذلك لا ينطبق على مريضك، فالحقيقة في القضاء تختلف تمامًا عمّا عليه في الطبّ؛ ذلك لأنّ الحقائق الطبيّة تتغيّر وتأخذ أبعادًا أخرى خلافًا لما تكون عليه في بدايتها، وقد تنتهي على كلّ?الاحتمالات. إنّك تقول الحقيقة عن (المرض)، له صفاته ومضاعفاته التي تتباين من شخص إلى آخر، وتختلف نهايته تمامًا كما اختلاف البشر.

إنّ علاقة الطبيب بالمريض علاقة لا يحكمها نصّ قانونيّ فهي ليست عقدًا بينهما يوقعّان عليه، ويوقّع شهود على ذلك؛ لكنّها علاقة تبنى منذ بدايتها على ثقة متبادلة والخداع فيها مكشوف بالتأكيد. كما أنّ جودة هذه العلاقة مهمّة للطرفين كليهما، فكلّما كانت هذه العلاقة أفضل من ناحية الاحترام المتبادل والمعرفة والثقة والقيم المشتركة ووجهات النظر بخصوص المريض والحياة، تحسّنت كميّة وجودة المعلومات المرتبطة بالحالة المرضيّة للمريض؛ ممّا يعمل على تعزيز دقّة التشخيص، وزيادة معرفة المريض بحالته الصحيّة.

ويتعيّن على الطبيب أن يشرح الحالة للمريض شرحًا كاملاً بعد اطّلاعه على نتائج الفحوصات والأشعة والقصّة المرضيّة، وعليه أن يحفّزه ليسأل كلّ ما يدور في خلده من أسئلة بالطريقة والكيفيّة التي يريد، حيث يجد المريض في ذلك راحة وثقة كبيرة توحي بالمصداقيّة العالية التي يتمتّع بها الطبيب.

حفاظًا على هذه المصداقيّة حريٌّ بالطبيب أن يمنح المريض حقّه في قبول العلاج أو رفضه، أو الإحاطة بحيثيّات مرضه. وقد يفضّل المريض عدم الخوض في تفاصيل حالته المرضيّة مع طبيبه تجنّبًا لموجة من القلق والخوف التي قد تنتابه، وفي مثل هذه الحالات يتعيّن على الطبيب الإفصاح ولو عن جزء من الحقيقة؛ كي لا تتوارى بمجملها وراء ضعف المريض ووهنه وقدرته المحدودة في التعافي اعتمادًا على ذاته؛ وكي لا يشعر المريض أنّ المرض باغته على حين غرّة فيرفع الراية استسلامًا.

لا تنسى عزيزي الطبيب أنّ للمريض عائلة وأقارب وارتباطات ماديّة واجتماعيّة، وأنّ المرضى أذكياء في قراءة تعابيرك الجسديّة واللغويّة، يفهمون الأشياء سريعًا رغم عدم تصريحهم بذلك، كلّما تذكّرت ذلك فإنّك ستحرص على توطيد علاقتك بالمريض، وستبحث عن طرق شتّى لمحاولة إيصال الحقيقة إليه بأقلّ تأثير ممكن مستخدمًا أرق وأصدق وأخلص التعابير فإنّه لن تعوزك الوسيلة إلى ذلك. لا تخش ردّة فعل المريض، ولا تهب الخوض فيها فقد يبادرك بالصراخ والعويل والاندهاش والبكاء، لكن تأكّد أنّه سيرتاح بعد فترة وجيزة، لا تقلق أبدًا فأنت لن تخسر?مريضك بالتأكيد.

وقد تتعقّد العلاقة بين المريض والطبيب عندما يجد الأخير نفسه وجهًا لوجه أمام مريضه، حين يفاجأه بالسؤال المباشر عن مرضه، ما مشكلتي الطبيّة بالضبط؟

إنّ الإجابة على هذا التساؤل تأخذ الطبيب إلى منحى صعب جدًّا، وأقلّ ما يجب على الطبيب أن يكون على وعي بهذه الصعوبة خاصّة إن لم يخض تجربة سابقة في هذا الخصوص، فربّما ينشأ مأزق حقيقيّ في مثل هذه المواقف التي يتمّ فيها الإفصاح عن اسم المرض أو خطورته أو مضاعفاته، وهنا يحتاج الطبيب إلى استراتيجيّات دقيقة لمواجهة المريض بطريقة تقلّل من الضغط على العلاقة بينهما، وتنحّي المريض بعيدًا عن حالات الصدمة والخوف والاكتئاب وردود الفعل غير المدروسة، فثمّة اعتبارات أخلاقيّة مرتبطة بالنهج الذي يتعيّن على الطبيب اتّباعه في مثل?هذه الحالات، في الوقت الذي تفيد فيه الصحّة العامّة للمريض وتحقّق أفضل النتائج.

من جانب آخر يواجه الطبيب بعض الحالات المرضيّة التي تتنافى ومعتقداته الطبيّة وثقافته الدينيّة والاجتماعيّة، مثل صرف حبوب منع الحمل مثلاً، أو إحداث عمليّات إجهاض الأجنّة أو غيرها، ويطلب إليه إزاءها التكتّم وعدم البوح، في هذا الصدد يعتقد الكثيرون أنّ من حقّ الطبيب الانسحاب من الإشراف على مثل تلك الحالات الطبيّة إن لم يتمكّن من المضي قدمًا في الإفصاح عن نوع الحالة وملابساتها؛ نزولاً عند طلب المريض أو ذويه. مدوّنًا ذلك في سجّل الإضبارة المرضيّة للمريض.

خلاصة الأمر أنّ الطبيب سيقول الحقيقة أخيرًا لمريضه، وأنّ التكتّم على ذلك سيجرّه إلى سلسلة من الخداعات، خداع.. فخداع... فخداع. فهو إذًن، ضرب من المستحيل لأنّ سجّل المريض مكشوف أمام أعضاء الفريق الطّبيّ المتواجدين مع الطبيب من مساعدين، وممرّضين، وصيادلة، وفنيي مختبرات، حيث احتمال تسريب المعلومة حاصل لا محالة.