إربد - أحمد الخطيب

شكّلت شخصية مصطفى وهبي التل كتاباً مفتوحاً أمام الباحثين والدارسين، فهي شخصية عابرة للتوصيف، وقارّة في بنية الهوية الثقافية للأردن، لغناها الذي أفرز التنوع الثقافي والسياسي والنضالي، وبما جسدته لغته الشعرية في مقام التأسيس للتجربة الشعرية الأردنية، بهذه الأطروحات التي تستظهر المعنى المراوغ لهذه الشخصية، جاءت الأمسية الثقافية «الهوية الثقافية في شعر عرار»، التي نظمها منتدى عرار الثقافي مساء أول من أمس، في قاعة المؤتمرات في بلدية إربد الكبرى، وشارك في محاورها وزير الثقافة الأسبق د. صبري اربيحات، ومدير مديرية?المحافظات في وزارة الثقافية د. سالم الدهام، وأضاء لها المحامي محمد عزمي خريف رئيس المنتدى.

في مستهل ورقته عاد د. اربيحات إلى استقراء شخصية شاعر الأردن «عرار» منذ عام 1899، التاريخ الذي ولد فيه، حتى وفاته في الخمسين من العمر، لافتاً بهذا السياق إلى أن هذه الفترة الزمنية القصيرة شكّلت في الأردن والعالم العربي قامة شعرية سياسية واجتماعية تحريضية متقدمة في بناء الهوية الأردنية والتأسيس لها.

وبيّن أن عراراً كان يحمل الهمّ الأردني أينما حل أو ارتحل، وأكثر ما كان يزعجه أن هناك تيارا يعمل ضد تشكيل وبلورة الهوية الأردنية، لهذا كانت صور التمرد والأخلاق الحراكية في أعماله الشعرية تؤشر على قيم المساواة، إلى جانب تأشيرها على رفض النماذج المتعالية غير المقبولة، لهذا كان يتواصل مع كامل فئات الشعب ويعبّر عنها وعن همومها، ولم يكن يعنيه المنصب، هذا الخط في شخصيته يمكن أن يتلمسه القارئ لسيرة عرار.

وخلص د. اربيحات إلى أن عراراً عرف الأردن كاملاً، وأحبه، وأشار إلى ثقافته، وحاول أن يلتقط هذه الروح، ويعيد تقديمها لنا بقوالب شعرية، موضحاً أنه لم يذكر أحد الأردن في شعره كما فعل عرار في قصائده، إلى ذلك قارب د.اربيحات بهذا السياق شخصية الأب والابن، إذ لفت النظر إلى أن وصفي التل رئيس الوزراء الأسبق أكمل مسيرة والده بأسلوب آخر، بإنشاء برنامج وطني للأردن، حيث أخذ عرار أسلوب التعبير والنقد وأسس وجدانياً وفكرياً للهوية الأردنية، فيما أخذ وصفي أسلوبا للبناء والتفكير وأسس عملياً لها برمزية عالية.

ومن جهته أكد د. الدهام أن عراراً قامة ورمزا كبيرا، خط بسيرته وكتاباته الشعرية منهجاً حقيقياً للمواطن الأردني، وكان أصيلاً وزاهداً بكل المناصب، وكان طامحاً بمجتمع يسوده الوفاق، ويخلو من الفساد والسماسرة، ولأجل هؤلاء السماسرة أخذ موقفاً من عمان العاصمة، ليس لأنه لا يحبها بل لأنها كانت مكاناً يتكاثر ويتوالد فيه هؤلاء، لافتاً النظر إلى أن عرار من أبرز ما يميز خطاب عرار الشعري الثقافي ميله إلى مجتمع يخلو من الطبقية التي تؤسس للإقطاع.

واعتبر أن عراراً من الناحية الفنية في شعره، يعتبر من مؤسسي الشعر الحديث، موضحاً بأنه إذا كان بدر شاكر السياب ونازك الملائكة تصارعا بأحقية السبق في تأسيس الشعر الحديث، إلا أن عراراً بحكم إنجازاته الحقيقية ووجوده التاريخي المبكر قد سبق هذين الشاعرين بإرساء دعائم الشعر الحديث على مستوى الطرح والأسلوب والقضايا واللغة بوصفها الخطاب الذي قدمه وكان خطاباً متماهياً مع طبيعة واحتياجات الإنسان العربي.

إلى ذلك تحدث د. الدهام عن المرأة في شعر عرار، المرأة غير المبتذلة، حتى نظرته للمرأة في مجتمع النّور تقاطعت مع هذه النظرة، فقد عارض فكرة أنها للهو والمتعة وكانت ممتهنة، كما تحدث عن الخمر الذي كان لها فلسفتها الخاصة في شعر عرار، أما الأماكن فقد لفت النظر إلى حضورها البارز، بحيث شكلت الجغرافية المكانية المتجذرة مع الساسة في شعره.

وخلص د. دهام إلى أن شخصية عرار كانت تعكس هوية وطنية عربية جامعة، وكان الهمّ الوطني حاضراً، لكنه جزء من الهمّ الأكبر وهو الاستعمار الذي حذر منه، وأن عراراً سيبقى علامة فارقة في تاريخ الأردن.

وكان المحامي خريف رئيس المنتدى قدم بين يدي المحاضرة ملامح سريعة عن عرار الإنسان المثقف، معتبراً أن للثقافة شهداءها، فهم أكثر من يعاني في الأمة، وليس أولئك الذين يهجرون المعرفة، إلى ذلك أوضح أن شخصية عرار وشعره لم يكتشف منهما إلا الجزء البسيط، وما زالا بحاجة إلى البحث والتنقيب والقراءة الواعية المتصلة بالوقائع التاريخية والسياسية.