في الخامس عشر من شهر شباط/ فبراير من كل عام، يحتفل الأردنيون بيوم المتقاعدين العسكريين، وهو واجب مستحق وسُنّة حميدة، أرستها القياد الهاشمية من باب الوفاء لهذه النخبة من منتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ويأخذ الاحتفال في هذا العام بعداً خاصاً، لأنه يأتي بعد حوالي اسبوعين فقط من إعلان الرئيس الأميركي ترمب، لما يسمى بصفقة القرن لحل قضية فلسطين، أو لتصفيتها على الأصح، وهو ما خيب آمال العرب والمسلمين، وأوهامهم بدور الإدارة الأميركية، وجرحَ كرامتهم، واستفز بشكل خاص مشاعر العسكريين، المتقاعدين وقدامى المحاربين وأهل الأسرى والشهداء، من الفلسطينيين والأردنيين على حد سواء، وهم يستذكرون الزمن الجميل في فلسطين تحت شعار الجيش العربي، ويتذكرون دماء جرحاهم وشهداءهم الطاهرة، التي روت تراب الوطن العزيز على ضفتي الأردن، من أرض الكرامة الخالدة حتى السّموع وباب الواد وأسوار القدس الشريف، بهذا يتجاوز الاحتفال هذا العام البعد الشخصي والاجتماعي رغم أهميته ليحلِّقَ في فضاء البعد الوطني والقومي والرسالة النبيلة للعسكريين الأردنيين، عاملين ومتقاعدين وشهداء، على اختلاف أصولهم ورتبهم ومرتباتهم، ومن هنا جاء الربط بين يوم الاحتفاء بهم، وما يمثلونه من معاني البطولة والفداء، وصفقة القرن وما تحمله من مؤشرات الهوان العربي ونُذُر الشؤم على المنطقة، وبشكل خاص، على فلسطين ومقدساتها وقضيتها، التي هي قضيتنا جميعاً، ومن أجلها ضحّى شهداء وابطال الجيش العربي الأردني، المحتفى بهم في هذا اليوم.

في هذا اليوم المجيد يستحضر الأردنيون جميعاً، مشاعر العرفان والامتنان، لهؤلاء الأبطال الذين سطروا صفحات المجد والفخار، ونذروا شبابهم وجهدهم ودمهم، ليبقى الوطن مستقراً عزيزاً، بأهله وقيادته ومؤسساته، يراكم الإنجازات التي ننعم بها ونورثها للأجيال من بعدنا، ففي حضرة بطولاتهم وقداسة القضية التي استحقت تضحياتهم، لن تجد صفقة القرن المشؤومة أي مكان أو اعتبار، سوى كمسرحية استعراضية، تفتقر لأي شرعية قانونية أو أخلاقية، أخرجها رئيس متغطرس وأفراد طاقمه من غلاة الصهاينة المعروفين بانتمائهم لخط يميني متطرف، ممتد من واشنطن الى تل أبيب، أرادوا في لحظةِ ارتباك، تحقيق بعض المكاسب الانتخابية على حسابنا، والتملص من التهم التي تحاصرهم، فلم يجدوا ذريعةً غير التماهي مع سياسات الاحتلال التي تقوم على انكار حقوق الشعب الفلسطيني والتنكر لالتزامات عملية السلام، ولمبادئ وقرارات الشرعية الدولية، وتتم ترجمتها يومياً، بإجراءات المصادرة والاستيطان وفرض السيادة على الأرض والمقدسات والموارد والحدود، وحصار الفلسطينيين والتنكيل بهم والتنكر لحق اللاجئين بالعودة الى ديارهم، وبالتالي إقفال الطريق أمام حل الدولتين، ومنع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشريف، وكلها ممارسات عدوانية عنصرية مستمرة منذ عقود، لن تنحصر تبعاتها في فلسطين، بل تتجاوزها لتزعزع الاستقرار في المنطقة، وتعيدنا الى المربع الأول.

إن أسوأ السيناريوهات القادمة على المنطقة، هو استمرار ممارسات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، في ظل الخلل في ميزان القوى، وغياب الدور الدولي المحايد أمام الدور الأميركي المنحاز للاحتلال، كما ظهر في صفقة القرن، وبالمقابل، استمرار حالة الفلسطينيين بين العجز والانقسام وخطابات الرفض والتنديد، دون فعل حقيقي على الأرض، بينما ينشغل معظم العرب بهمومهم وأولوياتهم ومخاوفهم، وهم يتوهمون أن علاجها يكمن في الابتعاد عن قضية فلسطين والتطبيع مع الاحتلال وسياساته والقبول الضمني أو الصريح بصفقة القرن.

في هذه اللحظات التاريخية الفاصلة، يتصدر الأردن المشهد متميزاً في موقفه مع الحقوق الفلسطينية، يواجة الضغوط والابتزاز والإحتمالات المفتوحة، منتصراً وفياً لدم الشهداء وتاريخ المتقاعدين والمجاهدين وقدامى المحاربين، هذا قدر الأردنيين مع فلسطين وأهلها كما كان دائماً، قَدَرٌ تفرضه الجغرافيا والتاريخ وخصوصية الروابط الاجتماعية والعائلية، يتقاسمون معاً لقمة العيش وعناء المسيرة، وتكلفة الصمود على الثوابت، وهي مسؤولية كبيرة هم أهل لها، يرددون خلف قيادتهم: كلّا ثم كلّا ثم كلّا، لهذه الصفقة المجحفة ومضامينها الكارثية علينا جميعاً، وان حقوقنا في القدس والمقدسات ورعايتها خط أحمر، وأن حقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير واقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشريف خط أحمر، موقف ثابت للقيادة الهاشمية مع الأهل في فلسطين، يستند على رصيد لا ينضب من دعم وترحيب الشارع في الضفتين لهذه الخيارات المشرفة.

إن ما قد تحمله الأيام من التحديات للعرب، وللفلسطينيين والأردنيين بشكل خاص، لا يكفي عندها الرفض ولا القبول ولا السكوت ولا الانتظار، ولا عاصم منها إلّا العزم والحزم، مرحلة جديدة بمنهج جديد وبمراجعة شاملة وعميقة، للرؤى والأساليب والأدوات والوجوه، نبدأ برص الصفوف والعمل معاً بسقف المصلحة العليا العابرة للحدود والقيود والمجاملات، وإطلاق العنان لمبادرات الشباب والطاقات الشعبية الخلاقة، ومحاربة الترهل والفساد وقوى الشد العكسي في صفوفنا، هنا وهناك، لحساب المصلحة الوطنية وسيادة القانون ودور المؤسسات، وأخيراً توسيع هوامش القرار الوطني المستقل، وتحريره من الضغوط والقيود، بعيداً عن إملاءات النظام الدولي والإقليمي الجائر، هكذا فقط، نواجه التحديات المشتركة بمنطق المصلحة المشتركة والمصير المشترك، على قلب رجل واحد، أردنيين وفلسطينيين، ونترجم روية القيادة الحكيمة، والوفاء للعسكريين، عاملين ومتقاعدين وشهداء، والقيم النبيلة التي يمثلونها، والأحلام الجميلة العابرة للنهر.