د. محمد عبدالقادر

إذا كانت قيمة الأدب بصورة عامة أن يحول الواقع إلى جماليات فنية، وإذا كانت وظيفته أن يحقق المتعة والفائدة للقارئ، فإن رواية «ظلال العائلة» لمحمود شقير قد حققت كلّاً من قيمة الأدب ووظيفته بنجاح كبير. وهي رواية تشهد على مفارقة تتمثل في الجمع الجدلي بين المتعة الفنية وألم المحتوى، بين مرايا الحب ومشاهد القتل البطيء للمجتمع المقدسي في زمن الاحتلال الذي عمّق فكر الانغلاق وممارسات التعصب الديني والطائفي والتزمُّت الاجتماعي.

«ظلال العائلة» (هاشين أنطوان، 2019) ثالث ثلاثية روائية للكاتب، سبقتها روايتان هما «فرس العائلة» (2013)، و«مديح لنساء العائلة» (2015)، لكننا في هذه الدراسة نحاول أن نلقي شيئاً من الضوء على «ظلال العائلة» بوصفها رواية قائمة بذاتها، ونظراً لمعالجتها لقضية التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية للمجتمع المقدسي في ظل الاحتلال الصهيوني المقيت.

ومن يراجع المنجز الإبداعي لمحمود شقير يعرف أن هذه الرواية وما سبقها ليست أعماله الوحيدة عن القدس، إذ كتب قبل الثلاثية -في أقل تقدير- عملين مستقلين عن هذه المدينة التي طالما وُصفت بأنها روح العالم، أو مدينة الله، أو مدينة العالم وغير ذلك. كتب شقير شيئاً من سيرته وسيرة المدينة في «قالت لنا القدس»، كما كتب مجموعة قصصية بعنوان «القدس وحدها هناك»، علاوة على ما كتبه للأطفال والفتيان حول العاصمة الأبدية لفلسطين. على أن شقير لم يكن الروائي/ القاص الوحيد الذي كتب أدباً عن القدس، لكنه يستحق لقب «عاشق القدس» بامتياز؛ فهو طفلها، وفتاها، وشريدها، وعائدها، وليس احتمالاً مستبعداً أن يكون شهيدها.

الظلال.. والعائلة

ليس الظل في الفيزياء ارتباطاً بالشمس والضوء كما في الفن والأدب، والشعر بخاصة، إذ إنه هنا يتجاوز الظاهرة الطبيعية كمفهوم علمي إلى آفاق من الدلالات والأبعاد والرموز، ولطالما استخدمه الصوفيون بمحمولات دلالية، ومثلهم فعل الشعراء، وما تزال قصيدة درويش الملحمية «مديح الظل العالي» ماثلة في الذاكرة، إذ كان فيها الظل رمزاً للمقاتل الفلسطيني-اللبناني بعد الاجتياح الصهيوني لبيروت. وكان درويش قد استخدم صورة فنية في ذكرى رحيل عبدالناصر فوصفه بالرجل ذي الظل الأخضر، وقال في أحد مقاطعها:

«ولست نبياً

ولكن ظلك أخضر

أتذكر، كيف جعلت ملامح وجهي

وكيف جعلت جبيني

وكيف جعلت اغترابي وموتي

أخضر

أخضر

أخضر».

أما السياق الدلالي للظلال كما يستخلص من الرواية قيد البحث، فهو سياق ينطوي على دلالات سلبية مؤلمة، أقرب في مغزاها إلى «بقايا صور» (استعارة من رواية لحنا مينة)، ليس فقط ألماً وجزعاً مما أصاب مفاصل «العائلة» من تقكك وتشرذم، بل وأيضاً ما أصاب منظومتها القيمية من مثالب وتشوهات. لكن «العائلة» في السياق الأوسع والأشمل تمتد لتشمل المجتمع المقدسي في معظمه تحت نير الاحتلال وتنوع الصراعات التي ما طفقت تضرب أركان المجتمع في مفاصل حساسة.

متعة السرد

الحبكة الأساسية للرواية من حيث المضمون حبكةٌ واقعية إلى حد كبير، ونقصد هنا قصة الحب العادية بين قيس وليلى وتقلباتها وأحداثها ونتائجها، لكن الرواية في مجملها عكست مهارة الكاتب العالية في دمج الواقع بالخيال، هذا الدمج الذي تمثل في خلق شخصيات موازية تم توظيفها في بنية الرواية بصورة تدعو للتأمل والاجتهاد في التحليل. كما استدعى شخصية سياسية دولية معروفة هي «ماريا زاخاروفا» وأوجد لها مكاناً بدا عادياً دونما نشاز في عالم الرواية. ولعب الخيال ومهارات القص دوراً بارزاً في تحقيق جماليات السرد، ما أضفى على الرواية الكثير من الحيوية، وجنّبها احتمالية السرد الممل.

قسّم شقير روايته إلى أقسام أربعة (ظل، ظل آخر، كأنه ظل، كأنه ظل آخر)، وتضمن كل قسم العديد من الفصول أو المشاهد القصيرة التي تمكّن القارئ من الاستمتاع في القراءة والاستمرار في متابعتها بشغف. وتناوبت على السرد شخصيات عديدة مثل قيس ومحمد الأصغر وليلى ورهوان، على أن الكاتب استخدم استراتيجية تعدد الساردين في داخل الفصل الواحد وهذا ما يتطلب من القارئ شيئاً من الانتباه للتحديد الدقيق لشخصية المتحدث. وبالرغم من تلاعب الكاتب بالزمن ما بين ماضٍ وحاضر، إلاّ أن ذلك تم بصورة سلسة لا تعيق عنصر التشويق الذي يُعدّ شرطاً مهماً لتحقيق المتعة الروائية. ولعبت الأحلام والكوابيس وأحلام اليقظة أدواراً مهمة للغاية في كشف مكنونات الشخصيات، وبخاصة ليلى وقيس، ما أعطى عالم اللاوعي إمكانية فعالة للإفصاح عن وعي الشخصيات وهمومها وقلقها ورعبها من الظروف والأجواء النفسية والاجتماعية التي تعج بها بيئة بشرية قامعة إلى حد التوحش في بعض الأحيان.

أما عن اختلاق شخصيات موازية، فيشار هنا إلى شخصية «محمد الأصغر»، إذ علاوة على قيمته ككاتب لقصة قيس وليلى وراويها بأثر رجعي، إلاّ أن سمات هاتين الشخصيتين تشكل بصورة أو بأخرى مرآة لقيس وليلى، ما يعني أنهما امتداد لهذين الأخيرين. وبهذه الاستراتيجية الذكية، يكون شقير قد ألقى بعبء غير قليل على عاتق محمد الأصغر وزوجته سناء من حيث السرد وربط الأحداث واستكمال حلقات القص. وأزعم أن محمد الأصغر وسناء ليسا سوى «ظل» خفيف، سَمْح القسمات لكل من قيس وليلى. وعليه يمكن القول إن الكاتب قد تخلص، عن طريق استراتيجيات سردية متنوعة، من الارتهان إلى الراوي العليم، مطلَق المعرفة في الشخصيات والأحداث والأزمان.

يقتضي السياق الإشارة إلى وظيفة «ماريا زاخاروفا» في الرواية، إذ إن حضورها زائرة إلى القدس برفقة زوجها تلبية لدعوة اجتماعية، وحضورها في السرد الروائي لا يتوقف عند التوظيف الفني للخيال، بل يشير أيضاً إلى تعبير عن رغبةٍ جنسية مكبوتة لمن وجّه إليها الدعوة، وذلك الذي جعلها جزءاً من أحداث الرواية. وهي علاوة على ذلك كله نشر جو من الفرح والبهجة في بيئة اجتماعية تتزاحم فيها المآسي والمشكلات، حتى ولو كان ذلك الفرح حالة افتراضية مستمَدة من عالم افتراضي تتيح له المجالَ للحضور تكنولوجيا معاصرة لا تتوقف عن التطور يوماً بعد يوم.

أما عن لغة الرواية فيمكن القول إنها كانت أحد العناصر الفعالة في جماليات السرد والتصوير الفني والبلاغي، وفي ضمان متعة السرد بشكل خاص.

تراجيديا الواقع المقدسي

إذا ما استثنينا شخصية «رهوان» غير المبالية، فإن معظم الشخصيات في «ظلال العائلة» تدرك واقعها المأساوي، وتعي الظروف القاسية التي تحيط بحياتها، بحيث يمكن القول إنها تعيش حالة من «الوعي التراجيدي»، ليس فقط لواقعها الشخصي وعلاقاتها البينية، بل واقع المجتمع المقدسي في تحولاته وتراجعه بفعل سلطات الاحتلال، وممارسات قوى الانغلاق والتعصب الديني، ناهيك عن سلطة التقاليد التي تواصل جذب المجتمع، وبخاصة المرأة، إلى الوراء بقدر ما تستطيع.

إنها تراجيديا الواقع، متعددة الأشكال والمظاهر والأحداث، حيث تهتز منظومة القيم والأخلاق، وتخبو مبادئ الثقة والانتماء، وتنطفئ مشاعل السعادة، ما يحيل الحياة إلى مجرد عيشٍ يكاد يخلو من المعنى والهدف والمستقبل.

لا يقتصر هذا الواقع على التحولات الاجتماعية والنفسية والثقافية للمجتمع المقدسي، بل يمتد ليشمل القدس ذاتها ككيان يشكل ركناً أساسياً من أركان الهوية الوطنية الفلسطينية بأبعادها المتعددة.

وتتجلى القيمة السياسية والثقافية للرواية، في ما تكشفه من ممارسات الاحتلال الصهيوني ضد المجتمع المقدسي وبيت المقدس بعامة، حيث الاستعلاء العنصري، واحتقار الشعب الفلسطيني (العربي القذر)، وإرهاق الشعب وأصحاب الأعمال بالضرائب، وتدمير البيوت، وحرق أسر بكاملها (الدوابشة)، وإشعال النار في المزروعات، والقتل من مسافة صفر، والاعتقال دونما مبرر ودونما محاكمات، علاوة على ذلك التواطؤ الجلي بين أجهزة الأمن الصهيونية والمستوطنين. و«القدس وحدها هناك» بالرغم من وجود 22 مؤسسة سياسية وقانونية تزعم وصلاً بالقدس، بينما لا يسمع الناس سوى جعجعةٍ بلا طحن.

يحدث كل هذا بينما ترتدّ قوى اجتماعية نحو سلفية عنصرية طائفية منغلقة تستهدف النساء والمناضلين وأماكن اللقاء الاجتماعي (المقهى). هؤلاء الذين يُعرفون باسم «حراس الشرف» لا يرون في الاحتلال تدنيساً لشرف الوطن والمقدسات والإنسان، بل يركزون جهودهم في تعميق التخلف الاجتماعي والجمود العقائدي والتزمت والتطرف ولا يترددون في ارتكاب الجرائم ضد مخالفي أوامرهم. وتبدو هذه الفئة في حالة من التحالف مع سلطات الاحتلال من حيث انعكاس ممارساتهم على الإنسان المقدسي، ما يوسع من مشاعر الغربة والاغتراب في الوطن لدى فئات المجتمع الأخرى التي تعيش الرعب والقلق والمعاناة بصورة مزدوجة.

وتأتي ثالثة الأثافي في ما تنطوي عليه بنية شاملة متكاملة من الأعراف والتقاليد التي تكرس التمايز الطبقي، وقمع حرية المرأة واختياراتها حتى لو كانت ذات تأهيل علمي متقدم وقادرة على اتخاذ قرار عقلاني مناسب. تلك حالة «ليلى» على سبيل المثال، التي قالت في معرض سردها للخوف الذي يتربص بها في كل وقت: «منذ أن فار جسدها في وقت مبكر، لم يعد أبوها مطمئناً، وحين كبرت وصارت امرأة ناضجة الأنوثة، صار شقيقها مصطفى على قناعة بأنها ستجلب ذات يوم عاراً للعائلة. اشترى مسدساً وأخفاه في مكان سري» (ص37).

وهكذا، تم شراء المسدس ليس دفاعاً عن وطن محتل وشعب مستباح، بل تحسباً لعارٍ محتمل قد تجره على العائلة إحدى بناتها. وهذا من شأنه أن يحيلنا إلى فكرة البطولة في الرواية مفهوماً وممارسة، والحق أنه لا ملامح قوية لبطل ذكر، بل إن أحد «حراس الشرف» هاجم ليلى بأداة حادة شوهت وجهها الجميل وفقأت إحدى عينيها، وتلك «بطولة» المجرمين.

على أن البطولة لا تغيب تماماً عن عالم الرواية، فقد كانت «لمياء» -شقيقة قيس- تطوي جناحيها على حسّ بالتمرد والتعبير عن الذات، ولعلها أول من شخّص الواقع بقولها «الاحتلال سبب تخلفنا»، وترجمت ذلك بالممارسة حين حاولت أن تطعن جندياً صهيونياً بسكين فأرداها قتيلة. هي محاولة للفعل بما ينسجم مع الفكر والرؤيا، لكنها تبقى محاولة فردية خارج نطاق العمل الجماعي المنظم.

وتبرز «ليلى» نموذجاً للبطولة في وجه أسرة تقليدية، إذ تختار شاباً متعلماً ومثقفاً ويعمل سائق سيارة أجرة وتريده زوجاً لها. وأمام رفض الأسرة تدخل في حالة إضراب عن الطعام في البيت أياماً عدة، ما دفع رب الأسرة للموافقة على «قيس» في نهاية المطاف. البطولة في هذه الرواية للمرأة رغم أنها دفعت الثمن غالياً، وما من بطولة بلا ثمن.

خلاصة

في «ظلال العائلة» يدق محمود شقير ناقوس خطر من شأنه أن يحمي المجتمع والقدس من توحش الاحتلال وفاشية القوى المتطرفة العُصابية، وتخلف البنى الاجتماعية. هي دعوة لإعلاء كلمة الحب الصادق، وإخراجه من قائمة الممنوعات، وهي أيضاً تحذير من اختلال الأولويات لدى شعب مقهور ووطن محتل. لكن الرواية تؤكد أن هوية القدس لا تذوي بسهولة ولا برغبة المحتلين والمتطرفين، فللقدس تاريخ «لا يمكن اختصاره بجرّة قلم، أو إقصاؤه بالكذب وتزوير الحقائق» (ص47).

أما نساء بيت المقدس فلكل واحدة منهن «سيرة وتاريخ، تاريخ يضاف إلى تاريخ المدينة فتصبح عصيّة على التحلل والذوبان في هوية أخرى غريبة» (ص21).

لقد غطى «الخريف» مساحة واسعة من الرواية، والقدس تتألم ولا تشتكي لأنها موقنة أن ربيع الوطن قادم ولو طال الزمن.