الأديب الإيراني علي دشتي الترجمة من الفارسية: د.يوسف بكار

قد يكون من قدر الباحث أن يفرغ لوناً من تمايلات نفسه على من يدرسه، أو يجد، في الأقل، من الصعب حين يشرع في موضوع ما، أن ينأى بنفسه عن تأثراته وانفعالاته ومسلكه الخاص، فيلج الموضوع دون «نظارة ملونة». من هذا، مثلاً، رجل متسرع يحب حافظ الشيرازي، فيجهد في تأويل أشعاره الصريحة، حتى في شرب الخمرة، وتوجيهها بنحو عجيب، وبالعكس.

أما الخيام فآراء الباحثين فيه موضوع جدل وأخذ وردّ، آراء متغايرة ومتباينة وغير واقعية، علة بعضها غير المعقولة والموجهة، طبعاً، رباعيات سخيفة منسوبة إليه، بعضها وليدُ ميول طبيعية يُسقط أصحابها ألوان أذواقهم ومشاربهم وسوداوياتهم على الآخرين.

لا مندوحة من أن نستعرض بإجمال خلاصة أفكاره الفلسفية ومشاعره من خلال آثاره الثابتة الصحيحة؛ ومن الضروري، كذلك، أن نلقي نظرة على معتقده الديني لنتعرف منها جميعاً على شخصيته الروحية ونكشف عنها.

فالمعتقدات تهدي للوصول إلى شخصية الأشخاص وأدبهم، لا من حيث العقيدة الدينية التي تصقل روح الفرد وماهيته المعنوية وتنميها، وإنما من حيث طرز فكره ونسج روحه وتمايلات مكنونه تجاه المعتقد الديني، الذي يتبدل ويتطور بقدر عال لكي ينسجم مع نفسه ويتواءم.

وإذا ما دنونا من الواقع أكثر، وقلنا إن ديانات البشر الفطرية وتمايلاتهم تؤثر في بعضها بعضاً وتتفاعل، وينجم عن هذا عقائد خاصة لكل فرد أو جماعة، يمكن أن نستنبط هذا من لقاء بين الإمام محمد الغزالي وعمر الخيام في موضوع بعينه.

ذكر ظهير الدين أبو الحسن علي بن زيد البيهقي، الذي عاصر الخيام وجالسه، روايات عنه في «تتمة صوان الحكمة»، منها ما رواه عن الإمام محمد البغدادي فقال: وحكى لي «(ختنه) الإمام محمد البغدادي أنه كان يتخلل بخلال من ذهب، وكان يتأمل (الإلهيات) من (الشفاء)، فلما وصل إلى فصل (الواحد والكثير) وضع الخلال بين الورقتين، وقال: ادع الأزكياء، حتى أوصي؟ فقام وصلّى ولم يأكل ولم يشرب. فلما صلّى العشاء الأخيرة سجد، وكان يقول في سجوده: اللهم إنك تعلم أني عرفتك على مبلغ إمكاني، فاغفر لي، فإنّ معرفتي إياك وسيلتي إليك. ومات».

هذه الرواية، التي نقلها الشهرزوري وبعض المؤرخين، تظل، سواء كانت صحيحة أم لا، أكثر معقولية وأفضل توجيه يمكن قبوله في تدين الخيام. فأما سائر الروايات فلا، كالذي يقال إن أمّ الخيام، كانت بعد وفاته قلقة عما يجري له في العالم الآخر. وأنها رأته في المنام ليلة يتلو عليها الرباعية الآتية، فهدأ روعها بعد أن صحت:

"يا مَن تتحرقين من أجلي،

إنّ لهيب النار في انتظارك.

إلامَ تتضرعين بالرحمة لعمر؟

أنّى لك أن تدلّي الحقَّ على الرحمة؟!».

إن «صبيانية» الرواية وبطلانها جليّان، ولا سميا إذا ما عرفنا أن الخيام قد عُمّر طويلاً، فمن المستبعد أن تكون أمه على قيد الحياة وهو في الثمانين من عمره!

ونقل «فردوس التواريخ» لملّا خسروا لأبرقوهي، رواية الإمام محمد البغدادي نفسها، وأضاف إليها: «يقال إن آخر ما نظم الخيام هذه الرباعية:

رَبّ، شبعتُ من وجودي،

ومن ضيق صدري وفراغ يدي.

يا من يخلق من العدم وجوداً

أخرجني، بحرمة وجودك، من عدمي».

من البديهي أنه لا يمكن الاطمئنان إلى هذه الرواية، لأنه لا يُعرف في حياة الخيام وبعد موته، أنه نظم شعراً، ناهيك بأن هذا الكلام ليس من قَرِيّ كلام الخيام، وأن «بحرمة وجودك» من كلام المتأخرين، وأن الخيام لم يشْكُ قط ضيق ذات اليد ولم يشبع من عمره، وكان ينفر من الموت.

قد يكون مبعث مثل هذه الروايات تصوّراً هجائيّاً لأفراد يحبون الخيام حجّتهم أنه في أذهان العامة أو في أذهانهم هم ملحد وحقيق بغضب الباري تعالى. هذا الضرب من تبرئة الكبار وتزكيتهم ما زال قائماً في أعرافنا. وقد تكون رواية الإمام البغدادي، أيضاً، من الحكايات التي تروى، عادة، عن العظماء أو الأعزاء بعد وفاتهم بحيث لا يمكن أن تقبل «وثيقة» ليقال إن الخيام فارق الفانية موحِّداً ومتديّناً، لكن يمكن أن تُعدّ دليلاً، على نضج فكره ومتانة روحه واستقامة مسلكه واعتدال طبعه في حياته. لا يبدو أنه حين ودّع الدنيا فعل هذا وتفوه بتلك المقولة، لأنه لم يجاهر طوال حياته بالإلحاد. وعلى الرغم مما يُستشَمّ من بعض الرباعيات من شكوك، فلم يؤثَر عنه أنه أنكر وجود الصانع قولاً وعملاً، وهذا كله لا يمكن أن يحسب في «التقية»، بل هو جزء من تفكيره شأنه شأن حافظ الشيرازي، الذي كان ثمّة «ناقوس يقرع سمعه». وربما كان يعبّر في هذا المنزع من التدين والسجود والنطق بتلك المقولة إظهاراً لروحه المعتدل لئلا يصبح فريسة الإفراط والتفريط. وبديهي أن تديُّن القشريين والمتمسكين بظاهر الشريعة لم يكن كغور فكر الخيام وحكمته. باختصار، إنه لم يتخلّ في معتقده الديني عن الحزم والاعتدال، وليس في آرائه الفلسفية معارضة صريحة لمحمد بن زكريا في شأن معتقدات زمانه الرائجة والمسلّم بها كما يتجلى بوضوح في آثاره المعدودة ومجموع الروايات وطرز تلقي معاصريه.

قد يكون السبب الرئيسي في الأمر اتجاه الخيّام الفكري وتربيته العملية، إذ كان يبحث عن البراهين والأدلّة العقلية في كل مسألة. فأما نفي وجود الصانع أو إثباته بالبرهان -أي بأدلة شبه رياضية- فأمر لا يصدَّق.

لم يبقَ للخيام، إذاً، سوى الحيرة والشك في الأقل، وما قوله «معرفتي إيّاك وسيلتي إليك» برواية الإمام محمد البغدادي إلّا تعبيراً عن أن الفكر والعقل والمعرفة هي طريق كل إنسان إلى الله.

لقد ظل الشك والحيرة خافيين في كتاباته التي أودعها الآخرين. أما رسائله الفلسفية فلا يُستدل منها على أيّ شائبة تتعارض مع المعتقدات التي كانت رائجة. يمكن أن يُحمل منهجه على الحيطة والكتمان الغريزي في الإنسان، لكن ليس كتمان الإلحاد، بل كتمان الشك والحيرة، لأن الظاهر والقرائن تحكي أنه لم يكن جازماً في نفي وجود الصانع. إنّ رباعياته هي الوحيدة التي قد تدلّ على كنه تفكيره، بيد أنه -كما نعلم- لم ينشرها في الناس، بل كانت مناجاة أودعها أسماع أقرانه ونظرائه الثقات، أو دندنَ هو بها لنفسه. إنه لم يأتِ على اسم الصانع، وكان موضوعُ الاعتراض والشكوى: الفلك، والدهر، والزمان، وغيرها. فأما أقواله في البعث والمعاد فعرضة للتفسير والتأويل، لأنها جميعاً تتحدث عن عدم حياة جديدة مرة أخرى، وعدم العودة إلى الدنيا.

لدينا مخطوطة تعدّ وثيقة أخرى عن معتقد الخيام الديني تؤيد ما نذهب إليه، هي رسالة بالفارسية في المتحف البريطاني ومكتبة مجلس الشورى الوطني الإيراني (رقم 9072) عنوانها «رسالة در علم كليات» (رسالة في علم الكليات)، في بدايتها:

"بسم الله الرحمن الرحيم

يقول أبو الفتح عمر بن إبراهيم الخيام: لقد تيسرت لي سعادة خدمة صاحب العدل فخر الملّة والدين مؤيد الملك، وقرّبني وحسبني من خواص مجلسه العالي. طلب إليّ هذا الجليل في غير وقت تناول علم الكليات. وعليه، ألّفت هذا الجزء رسالة على وفق رغبته، كيما يشهد وينصف أهل العلم والحكمة أنّ هذا المختصر أفيد وأجدى من مجلدات. وسدّد الله القصد».

الرسالة، كما ذُكر، في كليات الفلسفة الإلهية. فصلها الأول عن نظرية خلق العالم، أي صدور العقل الأول عن مبدع الكائنات، ثم صدور العقول التسعة الأخرى وأفلاكها. فأما الفصل الثالث فمختصر جداً ومخصص للديانات كما يأتي:

«اعلم أنّ طلاب معرفة الله سبحانه وتعالى، أربعة فرق:

الأول: المتكلمون، وهم القانعون الراضون بالجدل والحجج، بحيث قبلوا بهذا القدر من معرفة الله تعالى.

الثاني: الفلاسفة والحكماء المتكئون على الأدلّة العقلية دون أن يتمكنوا من الوصول إلى الشروط المنطقية فعجزوا عنها.

الثالث: الإسماعيلية القائلون بأن ثمة مشكلات كثيرة وأدلّة متعارضة في معرفة الصانع وصفاته يحار العقل فيها؛ والأَولى أن يؤخَذ بقول الصادق.

الأخير: الصوفية، الذين لم يسعوا إلى طلب المعرفة، بل ركّزوا على صفاء الباطن وتهذيب الأخلاق، فإذا ما صفا الجوهر واستقر بإزاء الملكوت تظهر علائمه. وهذا القسم أفضل الأقسام الأخرى».

ليس بعيداً أن تكون رسالة الخيام هذه، كُتبت في وقت محدد بطلب من فخر الملك، ولا سيما أنها موجزة ومقنعة، لتبين ما هو ضروري بعيداً عن كل توضيح وتفسير.

والأمر الذي يبعث على العجب أن الفصل الثالث من الرسالة يتطابق تطابقاً تامّاً مع ما في «المنقذ من الضلال» للإمام محمد الغزالي، الذي يقول:

«انحصرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق:

1. المتكلمون، هم يدّعون أنهم أصل الرأي والنظر.

2. الباطنية، وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم المخصوص بالاقتباس من الإمام المعصوم.

3. الفلاسفة، وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان.

4. الصوفية، وهم يدّعون انهم خواص الحضرة، وأهل المشاهدة والمكاشفة».

وجعل الغزالي يفصل القول في كلّ واحدة منها. فنهج المتكلمين غير منطقي وغير مقنع لأنهم يتحدثون بكفاية عن حماية العقائد الدينية وليس عن كشف الحقيقة. فأما الفلاسفة فيبحثون في أقسام الحكمة كافة ما خلا الحكمة الإلهية، وهم كفرة ملحدون لقولهم بقدم العالم وإنكار المعاد الجسماني، وحصرهم علم الباري تعالى في كليات العالم الجزئية.

أما الإسماعيلية فيرى، بعد مطالعات كثيرة، أنهم لم يهتدوا إلى الصراط المستقيم الحق، غير أنهم يمكن أن يسلكوا في الصوفية لما يدعون إليه من تزكيه النفس، والنأي عن الأمور الشهوانية، وما يتحلون به من شوق وانجذاب.

فكيف يتقاطع، في هذه المسألة، الخيام الحكيم وعالم الرياضيات مع الغزالي المتشرع، ومؤلف «تهافت الفلاسفة»؟!

كتاب الغزالي قمين بالقراءة، فهو يريد أن يفصل بين المعتقدات العارضة الناجمة عن تلقينات الأب والأم والمربي والأستاذ، لأنها اختلافات عقائد منشؤها التقليد، ويرغب في أن يدرك حقائق أمور العلم اليقينية. فالعلم أو اليقين أساسه المحسوسات أو البديهيات الأولية. فالمحسوسات، أيضاً، تجيء خطأ كالظل الذي يبدو أنه يأتي ساكناً، في حين نراه، بالدليل الحسي، متحركاً.

لا مناص، إذاً، من الاتكاء على الضرورات الأولية والشك غير المقبول، فمثلاً (الكل) أكبر من (الجزء)، والعدد (ثلاثة) أكبر من العدد (اثنان). ثم يذهب دون دليل، ويسأل: «من أين نؤمن بالضروريات كالاطمئنان بالحسيات دون أن تكون قابلة للشك؟».

كل شيء، إذاً، عرضة للشك. حينئذٍ يُبتلى بالسفسطة/ الداء الذي لا دواء له، ويظل شهرين على هذه الحال إلى أن ينجو من هذه الورطة بعون الخالق سبحانه، فيستقر على الضرورات العقلية مورد الاطمئنان. وهذا الشفاء لم يتأتَّ عن النظم والترتيبات الاستدلالية، بل بالنور الذي يهدي به الله من يشاء.

لا أهدف من هذا أن أنقد أقوال الإمام الغزالي وأبين تناقضاته، التي أصرف النظر عنها، لكن ما لا يمكنني غض الطرف عنه هذا المعمّى: يفترض الإمام الغزالي، بحق، أنه لا يكون اليهودي يهوديّاً إلا إذا وُلد في أسرة يهودية. فهو، إذاً، مسلم لأنه وُلد في أسرة مسلمة. فإسلامه، إذاً، لا جدوى منه، لأنه ليس دينه الحقيقي. دينه الحقيقي هو أن يُنحي افكاره التعبدية واعتقاداته التي لقفها عن أبيه وأسرته والمجتمع، ويشرع من جديد في البحث والتّحقق ليعزز معتقداته الدينية ويرسخها بالبرهان والأدلة شبه الرياضية. غير أنه ليس ثمة من أثر لهذه الدلائل المرتبطة بالمشاهدات أو الضروريات (البديّهيات الأولية) عليه، فاكتفى بنقل مفاد الآية الكريمة «يهدي الله لنوره من يشاء».

• مبحث من كتاب «وقفة مع الخيام» (دمى باخيام) لعلي دشتي.