د. إيمان الزيات

في كتابه «غاوي سفر»، يحاول الكاتب الصحفي حسام عبد القادر أن يقدم نوعاً سلساً ومرغوباً ومعاصراً من أدب الرحلات، مستعيناً بأسفاره إلى الدول الشرقية كالهند وعُمان، والغربية كألمانيا والولايات المتحدة، في تجربة تستحضر المقابلة في كثير من جوانبها بين القطبين الروحاني العريق والمادي المعاصر.

وهذه التجربة مهمة في مجالها، رغم أنها تحمل بكارة العمل الأول في صياغتها وتكنيكها وإخراجها النهائي؛ وذلك لما عقدته من مقارنات نزيهة، وأحكام لا تجنح إلى التحيز أو التطرف، كُتبت بيد مَن يبحث عن المتشابه للتآلف وليس المختلف للتنافر، بلا استعلاء بالقيم الروحية المتينة والحضارة القديمة في الشرق الذي ينتمي له الكاتب، ولا خنوع للغرب الذي يسبقه علمياً ومدنياً.

ورغم تلك الذاتية التي يستشعرها قارئ الكتاب من عتباته الأولى كالعنوان والإهداء فضلاً عن تحريك فضاءات السرد وشحناته الشعورية من خلال الذات الراوية، وسواءً كان هذا المتلقي أكاديمياً متخصصاً أو هاوياً محباً لهذا النوع من الأدب، إلا أن المؤلف تمكن من غلق باب الملل وحاول أن يجذب انتباه المتلقي بتناوله موضوعات متمايزة؛ فقام في سبيل ذلك بتفكيك ذاته أو أناه الخاصة إلى أنوات عدة تتناول موضوعاته المطروحة عبر الخبرات التي يملكها، والاهتمامات المتنوعة (الاجتماعية، والسياسية، والدينية، والتكنولوجية، والإنسانية) التي تستهويه، إذ قدم للقارئ بقدر المستطاع نظرة بانورامية شاملة لتلك الجوانب، كما نراه يقتفي أثر القضايا التي تشغل الفرد العربي، مثل موقف الغرب من قضية فلسطين، والمظاهرات ضد ارتفاع الأسعار، وقدرة بعض الدول على التعايش السلمي وتميزها بالجوار الإنساني كما هو الحال في الهند التي تعبد 330 إلهاً.

لقد تحققت في كتاب «غاوي سفر» مجموعة من خصائص أدب الرحلات المعاصر، كالأسلوب القصصي، والمزج بين الجدّ والهزل، وانتشار عنصر الفكاهة في بعض المواضع، على سبيل المثال قوله في فصل «من الذي لا يحب ليلى» (ص113): «فوجئت بأني أجلس في المقعد الأخير في ذيل الطائرة ولا يوجد بجانبي شباك، وفي الطائرة الأخيرة كنت أجلس في المقدمة ولا يوجد أمامي أحد، قلت في نفسي: أنا كده جبت الطائرات من الأول إلى الآخر حتى السبنسة لم أتركها».

كما قدم المؤلف نموذجاً إيجابياً لعكس آثار الصدمة الثقافية والتكنولوجية، وربما ساعده في ذلك القِصر الزمني لرحلاته، فضلاً عن طبيعته الشخصية المنفتحة، الشغوفة بالمغامرة والتجريب؛ لذا نراه عاد من أقسى رحلاته صعوبة وهي رحلته الأولى إلى ألمانيا بروح المبعوث التكنولوجي التنويري.

ونشاهد هذه الروح جلية في فصل «صدمة إلكترونية» (ص35): «وليس معنى أني صحفي من دول نامية ألّا أكون مطّلعاً على التكنولوجيا الحديثة.. وبالفعل تعلمت عالم الكمبيوتر ثم اقتحمت عالم الإنترنت وكان أول شيء فعلته هو إنشاء إيميل بالطبع.. استطعت خلال وقت قصير أن أكون متخصصاً في الكمبيوتر.. واشتهرت وسط الصحفيين بأني الصحفي الإلكتروني، ثم جاءت الخطوة الأكبر عندما أصدرت مجلة على الإنترنت».

وهكذا استطاع المؤلف بروح المثابرة وحب التحدي توظيف هذه الصدمة الإلكترونية لصالحه، وتحويل الشحنة الشعورية السلبية التي تلقاها في الغرب إلى شحنة إيجابية خلاقة، وقد وصف الكاتب في هذا الفصل كيف أنه ذهب بعد هذه «الصدمة» ليتلمس مواطن الجمال والسكينة في تلك البيئة الجافة والجامدة التي يشح فيها الحوار نظراً لتمسك أهلها بلغتهم الأم ورفضهم الحديث بلغة سواها، فكانت التمشية على نهر الراين في هذا التوقيت الدقيق بمثابة عملية استشفاء ذاتي بهدف تصفية الذهن والتفكير بروية؛ الأمر الذي مكنه في النهاية من الوصول إلى القرار الإيجابي الصحيح، كأنها إعادة طرح واقعية معاصرة لشخصية «اسماعيل» بطل رواية «قنديل أم هاشم» الذي أصابته الصدمة الثقافية العكسية بحالة من التفسخ.

لقد آثر حسام عبد القادر ألّا يحطم القنديل بغضبته لذاته من تلك الهوة التكنولوجية الشاسعة بين وطنه النامي وبين الغرب المتطور؛ بل جعل من تعلمه تكنولوجيا الغرب، وتعليمها للآخرين، فتيلاً للقنديل الشرقي الذي يعلم أنه يستحق السطوع.

وكان من الطبيعي أن يتأثر المؤلف بالأيقونة الصحفية المعاصرة «أنيس منصور»، إذ ذكره في مقدمة كتابه وأفرد له فصلاً سماه «أنا وأنيس منصور والدلاي لاما»، كما تأثر بتكنيك منصور في كتابة هذا النوع من الأدب، وخاصة في كتاب «حول العالم في مئتي يوم» الذي تضمن معلومات عن مجموعة من الدول، مثل الهند وسيلان وسنغافورة واستراليا واليابان والفلبين وهونج كونج والولايات المتحدة الأميركية وجزيرة هاواي. وسار عبد القادر على غرار منصور في تضمين صور الأسفار والرحلات وصورة الدلاي لاما، وفي استقصاء الآراء ووجهات النظر حول القضايا والهموم القومية والعالمية. ويتماهى محتوى «غاوي سفر» مع محتوى «حول العالم»، فيحمل محاور الاهتمام نفسها كأنه ينبع من مدرسة أنيس منصور لكن مؤلفه يصيغ تجربته الكتابية بكيفيته الخاصة.

ويمكن إرجاع ذلك التأثر إلى أن المؤلفين قد تشاركا في مجموعة من الظروف المتشابهة، مثل عمل حسام عبد القادر صحفياً في مجلة «أكتوبر» التي أنشأها أنيس منصور وعمل جاهداً على خلق منظومة صحفية جديدة ومبتكرة من خلالها، كما أن لكل منهما حساً أدبياً ملحوظاً انعكس في توظيفهما للأسلوب القصصيّ في هذا النوع من الأدب. إضافة إلى أنه من الطبيعي أن تصبح شخصية أنيس منصور رمزاً ومثلاً أعلى لكتاب أدب الرحلات لأنه أسس لنوعية معاصرة من أدب الرحلات تنحاز لما يسمى «الأدب السياحي»، حيث ينتمي «غاوي سفر» بكيفيةٍ ما لهذه النوعية متسماً بلغته السهلة التي تنتمي للغة الصحافة والتي تتخلى عن الصور وعن موسيقى اللغة للتأثير على المتلقي.