إشراف بن مراد المساعفة

الرواية ليست مجرد نص سردي فني تتحرك داخله شخصيات وفق حبكة محكمة تُبرز مهارة الكاتب وحرفيته في تقديم حكاية ما أو قضية معينة، بل هي أبعد من ذلك.. إنها ذاك الصوت الذي ينطلق من قلم الكاتب ليستقر في قلب القارئ، والذي قد يجعله يبكي أو يفرح أو يستحضر مواقف مشابهة أو يفكر في محطات من حياته أو ربما يراجع نفسه.. إنها شيء عجيب غريب يحركك، يأخذك من مكانك أينما كنت لينقلك إلى أماكن أخرى.. إنها مشرط يعري أمامك خفايا عديدة وينكأ جروحاً كثيرة في عالمنا العربي المرهق بالأنين والآه والمكبل باللاآت.

ولئن كانت الصحافة السلطة الرابعة فإنّ الرواية لا تقل عنها سلطة وتأثيرا، لذلك يسارع الرقيب في منع أو حجز الأعمال التي يرى أنها كُتبت لا لتستقر على رفوف المكتبات وإنما في قلوب القراء وعقولهم.

هذا ما ساورني وأنا أقرأ رواية «الشيباني» للروائي الموريتاني أحمد فال ولد الدين (دار التنوير، بيروت). وقد أقبلت على قراءتها وفي داخلي فضول كبير، فهي أول رواية أقرأها لكاتب موريتاني، فعادة ما يعرَف الموريتانيون بميلهم للشعر والفصاحة وهو ما جعل بلدهم يلقّب ببلد المليون شاعر.

ولئن كتب أحمد فال ولد الدين «الشيباني» وفقا لمقومات الرواية، إلا أنه لم يذهب بعيدا عن عالم الشعر، حيث صدّر فصول روايته بأبيات لأبي العلاء المعري يتوافق كل منها مع موضوع كل فصل، وكأنها تمهد للقارئ ما سيقوله السرد له، وأهدى الروائي عمله إلى إدوارد سعيد وتقي الدين بن تيمية، والأكيد أن هذا الإهداء إشارة رمزية لشيء ما يرتبط بالرواية وبالكاتب معا.

تنتقل الرواية من الدوحة إلى موريتانيا في رحلة هرب للبطل الشيباني من ماضيه ومن حبٍّ عصر قلبه وقلب حياته، بدأ أحمد فال ولد الدين روايته من منتصفها ضمن ما يعرف بالهرم المقلوب، ليتعرف القارئ على الشيباني، بائع الكتب في مكتبة تقليدية وسط سوق واقف التراثي الذي يزوره أناس من جنسيات مختلفة، وهناك يتماهى الشيباني مع مكتبته بطريقة عجيبة، فهو يشبهها أو ربما هي تشبهه، وكلاهما منعزل عن الناس إلّا من بعض المريدين والأصدقاء.

ومع بداية الرواية يتعرف القارئ على ملامح الشيباني وبعض أفكاره، كما يتعرف على المكان بما يحتويه من مضامين ثقافية واجتماعية، ثم يعرج بنا الكاتب في الفصل الثالث إلى النقطة الحقيقية لبداية حكاية البطل وأزمته، وهي قرية «الكُدية» في سفح جبل في الشرق الموريتاني، حيث نشأ الشيباني. ومن هناك ينطلق القارئ في رحلة إلى موريتانيا يكتشف خلالها البلاد بما تحمله من مخزون اجتماعي وتراثي وثقافي وعادات وتقاليد.. ويتعرف أيضا على الشيباني بكل ما يحمله من وجع وألم. فالرجل هو المحرك الأساسي للأحداث عبر تنقلاته في الأمكنة. وفي هذا السياق لا يفوتنا الإشارة إلى ما تميز به أسلوب الكاتب من مرونة في تحريك شخصياته حيث تمكن من ربط المكانين المتباعدين (قطر وموريتانيا) بسلاسة، عندما أوجد شخصية «جاسم»، وهو طالب قطري في المحاضر الموريتانية ينقل صديقه الشيباني إلى الدوحة على أمل مساعدته في أن يبدأ حياة جديدة.

وعلى الرغم من تنوع الأمكنة إلا أن القضية واحدة يمثلها الشيباني أينما حلَّ، فهو الإنسان المقهور والعاشق المعذَّب، إذ يصْعُب عليه الوصول إلى حبيبته «سلمى» ابنة الجنرال. ومع هذا الحب المعذَّب الذي يجعلنا نستحضر حكايات مجنون ليلى وعنترة وعبلة وغيرها من قصص الحب والحرمان التي خلّدها الشعر العربي، تطرق الكاتب إلى طبيعة الحياة الاجتماعية وخصوصية المجتمع الموريتاني الذي ما زال يتوارث القبلية والطبقية، فيكفي اسم القبيلة لينال الفرد قبوله في المجتمع. كما سلّط الروائي مشرطه ليفضح ما تعاني منه البلاد من سوء الخدمات الصحية، وضعف البنية التحتية، بالإضافة إلى تسليطه الضوء على المجتمع الطلابي في الجامعة وتشكُّل الأفكار الثورية وما يعانيه التواقون للحريات والتغيير من تضييقات.

وخصص الكاتب حيزا من روايته ليتطرق إلى طبيعة المجتمعات الخليجية في رؤيتها للآخر المختلف، وذلك من خلال علاقة الشيباني بعدد من الشخصيات. فطرح مواضيع متنوعة منها موضوع الكفالة ووضعية العمال والعلاقة بين الكفيل والمكفول وتنوع الجاليات، ليصل بقارئه إلى تعزيز القناعة بأنه لئن تنوعت تجارب المغتربين والفارين من أوطانهم إلا أنهم يشتركون في الوجع، وهو الهروب من وضع بائس إما سياسيا أو اقتصاديا.

يعود الشيباني إلى موريتانيا بعد قراءة رسالة من حبيبته، وكله أمل في أن يبدأ حياته من جديد، إلّا أن ما سيجده هناك وما سيعيشه يلغي كل أحلامه كما يهدم آمال القارئ في أن يجد نهاية سعيدة للرواية. وكأننا بالروائي يقود بطله إلى تلك النقطة التي يقف فيها أمام جدار عال لا يمكن تجاوزه، لتزداد قناعتنا بأنه يماهي بين ما يحدث لبطله وبين ما يحدث في وطنه من محاولات للتغيير والتجديد والإصلاح. حيث تنتهي الرواية وتتهاوى معها الكثير من الآمال والأحلام، فالنهاية غير متوقعة بالمرة: «أنا فارسٌ سقط في ساحة الوغى بسهم أطلقته يد جبانة مرتعشة! لا، بل أنا قصيدة حزينة كتبها شاعر ولم تخرج من فمه قط، أنا سمفونية شجية عزفها فنان أصم لم يسمعها قط! لا، بل أنا ومن مثلي أملكم بالخلاص أيها الجنود الأغبياء»

ومع ذلك، ورغم ما في الرواية من ألم، تنقل رواية «الشيباني» لنا متعة اكتشاف موريتانيا والتعرف على آمال بسيطة لإنسان يحلم بالحب بعيدا عن التصنيفات والعقد المجتمعية. وتنتهي الرواية لنجد أنفسنا بين غصة الحسرة ومتعة السرد نفكر فينا وفي ما حولنا.