إن المتتبع المنصف لمواقف الأردن عبر تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي, لا بد أن يعلم علم اليقين أن الأردن بقيادة الهاشميين كان سباقا وفي طليعة الدول العربية في الدفاع عن عروبة فلسطين. وأن الجيش العربي خاصة والأردنيين عامة، قدموا مواكب الشهداء الذين رووا بدمائهم أرض فلسطين الحبيبة. والأهم أن مواقفنا قيادةً وشعباً، كانت وما زالت مبنية على ثوابت وطنية داعمة لخيارات الشعب الفلسطيني. فعندما طلب منا الإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً للشعب الفلسطيني في عام 1974م، في مؤتمر القمة العربية بالرباط, وافق المغفور له بإذن الله جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال على ذلك, وعندما اختارت القيادة الفلسطينية الدخول في مفاوضات (اوسلو) السرية مع الإسرائيليين 1993م، لم نعترض على ذلك, وقلنا هذا قراركم وندعمكم به. وخطا الأردن بعدها نحو توقيع اتفاقية السلام مع الإسرائيليين، 1994م، لاسترداد حقوقه المشروعة من جهة ومن جهة اخرى دعما للشعب الفلسطيني. وقد كان ذلك فعليا عندما تدخل جلالة الملك الحسين رحمه الله في أكثر من مناسبة للضغط على إسرائيل لحل الإشكاليات المستعصية التي كانت تحدث للفلسطينيين. ولم تتغير مواقف الأردن بعد وفاة المرحوم له بإذن الله جلالة الملك الحسين وتولي جلالة الملك عبد الله حفظه الله مقاليد الحكم، فحافظ على النهج الملكي الهاشمي في دعم الحقوق الفلسطينية، بل زاد زخم الدعم السياسي والإعلامي لجلالة الملك على المستوى الدولي، فأصبح جلالته صاحب الصوت الناقل لهموم ومشاعر الفلسطينيين, والمدافع الأول عن عدالة قضيتهم في كافة المحافل الدولية، بل أنه وفي ظل التطورات المتسارعة التي شهدتها المنطقة والإجراءات الإسرائيلية المخلة بكافة التزاماتها التعاهدية بمزيد من التوسع والاستيطان، وتضييق الخناق على الفلسطينيين, وتراجع زخم الموقف العربي وما تبعه من إعلان ما يسمى (بصفقة القرن), كان الفلسطينيون يتجهون في انظارهم إلى جلالة الملك باعتباره المتحدث الأول عن همومهم, فكان جلالته صارما في مواقفه تجاه العلاقة مع الإسرائيليين، عندما عبر عن غضبه في أكثر من مناسبة، و قالها صراحة: إن العلاقات الأردنية في أدنى مستوياتها، وفي حين كان الجميع يتوقع ضغطاً أميركياً إسرائيلياً على جلالة الملك للقبول بما تضمنه مشروع (صفقة القرن)، لا سيما أن الأردن يعيش في أزمة اقتصادية خانقة ومديونية كبيرة، في مقابل إغراءات مادية تضمن شطب الديون المترتبة على المملكة, وانتعاشاً اقتصادياً غير مسبوق, كان جواب جلالته واضحاً وصريحاً، بل وأكثر صرامة مما سبق في رفض لجميع الإغراءات المادية، وإصراره على مواقفه السابقة والمعلنة والمنسجمة مع الموقف الشعبي الأردني الفلسطيني العربي، والتي اسمها (اللاءات الثلاث) الرافضة لجميع الطروحات التي من شأنها المساس بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، وبأي حلول أو تسويات على حساب الأردن، مهما كانت المبررات. وفي النهاية نقول للجميع بصوت واحد مهما كانت مواقفكم نحن في الأردن ملكا وشعبا هذا موقفنا وهذه ثوابتنا الوطنية.