كان يوم الجمعة 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي محطة أساسية في تاريخ أوروبا, ففيه غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي «Brexit» والذي أصبح عدد دوله 27 دولة, بعد عضوية استمرت 47 عاماً, تنفيذاً لإرادة غالبية الشعب التي تمثلت في نتيجة استفتاء أجرته حكومة ديفيد كاميرون في 23 يونيو (حزيران) 2016, وأسفر عن تصويت (51.9%) لمصلحة مغادرة التكتل الأوروبي. لن يتغير شيء في الحياة اليومية للبريطانيين, إذ ستبقى بريطانيا في السوق الموحد والاتحاد الجمركي حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) 2020 كجزء من ترتيبات الانتقال, وسيكون لبريطانيا في هذه المرحلة الانتقالية التي ستستمر أحد عشر شهراً نوع من العضوية المنقوصة, بمعنى أن قواعد الاتحاد الأوروبي ستنطبق عليها من دون أن يكون لها أي صوت يؤثر فيها نظراً إلى خروجها من مؤسسات الاتحاد كلها, من المفوضية إلى البرلمان إلى أصغر مؤسسة, وإن كان هذا لا ينطبق على الموظفين البريطانيين في إدارات الاتحاد.

إن هناك خيطا يربط بين خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومعارضة مسار العولمة والاحتجاج على مآلاتها, فقد ارتبط نجاح البريكست برغبة الخروج عن قيود العولمة بما في ذلك العقود المُلزمة في الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالتبادل التنافسي أو الهجرة الأوروبية الداخلية. وهذا الانسحاب من العولمة وإن كان حتى الآن على رؤوس الأقدام, إلا أنه يُعد علامة فاصلة من علامات ضمور العولمة وتفكك بنيانها. فمزاج المقترعين يميط اللثام عن حالة اعتراض متواصل في بلدان العالم, لاسيما في أوروبا, على سياسات الحكومات من أزمة عام 2008 المالية. ولا تكشف هذه التحولات في المزاج العام إلا عن «الانحراف اليميني» الذي انتجه غضب الشارع الغربي, واعتراضه ضد المؤسسات الحاكمة, سواء كانت محلية أو إقليمية. ليس بالضرورة أن الخروج كان صنيعة خاصة لليمين في بريطانيا, لكن هذا التيار, وخاصة التوجهات المتطرفة فيه, كانت له مساهمة كبيرة في طلاق لندن وبروكسل. فمنذ عام 1940 ظهر في بريطانيا أكثر من أربعين حزباً وجماعة يمينية, عشرة منها هي الأكثر تطرفاً, ولدت بعد عام 2010, جميعها صوّت لصالح مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي.

قد يصح القول إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو نتيجة لنزعة قومية آخذة بالتضخم, إلا أنه من المؤكد, أن هذا الخروج هو غطاء لظواهر أكبر, أهمها, الميل الشعبي إلى العزلة والانغلاق, والخوف من الآخر, فالعالم يشهد منذ سنوات عدّة حالة من عدم اليقين والغموض في فهم حقيقة المواقف, والتي نتجت عن التحولات الكبرى والتخبط غير المنطقي في السياسات الاقتصادية والسياسية, وأحد تجليات هذا التخبط العالمي هو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

فبهذا الخروج, يتلاشى الرهان على «العولمة السعيدة» في عالم أقل أمناً, عالم تستشري فيه الحروب والنزاعات والإرهاب, مع تصاعد خطاب القطيعة وانهيار منظومات القيم.

aref_murshed@yahoo.com