هبة محمد علي ناقدة فنية تكتب في مجلة روزاليوسف

فى نهاية الخمسينيات كانت الخريطة السينمائية مكتظة بأسماء لامعة لنجمات كن ولايزال لهن بريق كبير لم يخف وهَجُه برحيلهن، وكان من الطبيعى أن يحملن بداخلهن روح المنافسة التى تُترجم أحيانًا فى إظهارغيرة أو خلاف على دور، والحقيقة أننى اجتهدت كثيرًا فى البحث عن حكاية من تلك الحكايات تكون بطلتها «نادية لطفى» فلم أجد.

نجت «نادية لطفى» من هذا الفخ كما نجت من غيره؛ لأنها قررت أن تمارس الحياة دون تزييف، وامتلكت من الوعى ما يجعلها تتصرف كإنسانة صاحبة رؤية وموقف، لا كفنانة تحسب خطواتها لكى تُرضى جمهورها بشكل مصطنع.. أدركت «نادية» هذه الحقيقة مبكرًا، فكان لها دورٌ بارزٌ مع جرحَى حرب أكتوبر بمستشفى قصر العينى، وفى صفوف المقاومة الفلسطينية أيضًا؛ حيث كانت شاهد عيان على الجرائم الإسرائيلية، بل إنها سخّرت هوايتها للتصوير أثناء حصار بيروت فى تسجيل ما حدث، ما دفع العديد من الصحف والقنوات للقول بأن كاميرا «نادية لطفى» التى رصدت ما حدث هناك كانت بمثابة مدفع رشاش فى وجه القوات الإسرائيلية.

مواقف «نادية لطفى» البطولية لا تقتصر على السياسة فقط، فقد كان لها دورٌ مجتمعىٌّ مُهمٌّ، يبرز فى العديد من المواقف أشهَرها زيارتها لفتاة العتبة صاحبة واقعة التحرُّش الشهيرة عام 1992م؛ لمساندتها على تخطى هذه الأزمة، الأمْرُ نفسُه كانت تقوم به مع زملاء مهنتها؛ حيث لم تكن تكف عن تقديم العون لهم حتى رحيلهم، ولا سيما صديق عمرها «أحمد مظهر» الذى عانَى فى نهاية حياته من ظروف قاسية شارك فى صناعتها زوجته وأولاده، وفقًا لتصريحات الفنانة الراحلة «مريم فخر الدين» المذكورة فى البرنامج الفنى الشهير (ساعة صفا) الذى قدّمته «صفاء أبو السعود» منذ سنوات، فما كان من «نادية لطفى» إلّا وقد أرسلت له من يقوم على خدمته، وطهو طعامه، وتكفلت بكل ذلك، بل أصرّتْ على المداومة على زيارته حتى رحل.. أمّا نشاطها فى مجال حقوق الحيوان فقد بدأ مبكرًا جدّا، حتى إنها كانت آخر رئيسة لـ(جمعية الحمير) التى أنشأها «زكى طليمات» فى ثلاثينيات القرن الماضى.

تفاعُل «نادية لطفى» مع الشأن العام لم يتوقف حتى رحيلها؛ خصوصًا أنها فتحت قلبها للجميع، فكانت غرفتها رقم 505 فى الدور السابع بمستشفى القوات المسلحة بالمعادى مكانًا يلتقى فيه كل محبيها، البسطاء منهم قبل المشاهير، أمّا صفحتها الشخصية على الفيسبوك فقد كانت وسيلتها للتفاعل مع أحداث الحياة ومستجداتها حتى إن كان ذلك التفاعل يتم بأيدى مساعدتها الوفية «رضا» لكنه كان بتوجيه مباشر منها؛ حيث قدمت على صفحتها التعازى للشعب العُمانى فى رحيل السُّلطان «قابوس»، كما قامت بالأمر نفسه مع الفنان «إيهاب توفيق» الذى رحل عنه والده جراء حادث حريق قبل أسابيع، بل إنها فى نعيها لزوجة ابنها الوحيد «أحمد البشارى» قدمت التعازى لطليقها «عادل البشارى» الذى اقترنت به وعمرها أقل من 20 سنة للهرب من تحكُّم والدها الذى رفض استمرارها فى التمثيل وكان ضابطا بالبَحرية وجاراً لعائلتها، واستمر زواجهما مدة قصيرة، وحين هاجر طلبت الطلاق منه لأنها لا تحتمل الحياة من دونه واحتفظت بابنها معها، ثم تزوجت للمَرّة الثانية من المهندس «إبراهيم صادق»، وهو شقيق الدكتور «حاتم»، زوج «منى» ابنة الرئيس المصرى الراحل «جمال عبدالناصر»، وانتهى الزواج بعد 6 سنوات بالطلاق، ثم تزوجت للمرّة الأخيرة من «محمد صبرى»، المعروف وقتها بأنه كان (شيخ مصورى مؤسّسة دار الهلال) وتَعرَّف عليها أثناء قيامها بتصوير فيلم (سانت كاترين)الذى أنتجته بنفسها، لكن الزواج مَرَّ بتوترات، انتهت بالطلاق بعد أشهُر قليلة من شهر العسل، لكنه لم يُنهِ العلاقة الطيبة التى ربطتها بالجميع، حتى بكلبها الذى عكفت على تربيته لسنوات طويلة، الذى قال عنه الكاتب الصحفى «هشام أبو سعدة» إنه أصيب بالاكتئاب من جراء غيابها عنه فى المستشفى، ما دفعه للتوقف عن الأكل، حتى أمرت الراحلة بإحضاره إلى المستشفى وأطعمته بنفسها.

أمّا مساعدتها الوفية وكاتمة أسرارها «رضا» فقد لعبتْ دورًا كبيرًا فى حياتها، ولا سيما فى السنوات الأخيرة؛ حيث اشتد المرض، وزادت الأعباء، لكنها أبدًا لم تكِل من الرد على اتصالات المحبين، والصحفيين التى كانت لهم بمثابة حلقة وصل، بينما كانت لها سندًا تتكئ عليه فى آخر حياتها.

وإذا كانت السطور لا تفى ميراث «نادية لطفى» الإنسانى حقه؛ فإن ميراثها السينمائى الذى يبلغ نحو 70 فيلمًا لا يقل أهمية؛ حيث شاركت فى العديد من الأفلام السينمائية المهمة الذى يمكن اعتبارها من كلاسيكيات السينما المصرية، كما استطاعت أن تنوّع بين أدوارها فأتقنت دور فتاة الليل بالقدر الذى أتقنت به دور الفتاة الاستقراطية، كما قدمت مسرحية واحدة بعنوان (بمبة كشر) لم يتم تصويرها، بالإضافة إلى مسلسل وحيد اسمه (ناس ولاد ناس) عام 1993م أتمنى أن تتحمس إحدى قنوات الدراما للبحث عنه وعرضه مجددًا للجمهور.