أ. د كميل موسى فرام

استحقاقات الترقية للأستاذية

تمثل الترقية لرتبة الأستاذية في كلية الطب هدفا ساميا لأصحاب الطموح، كنتيجة منطقية يفرضها الجهد المبذول للحصول عليها، وهي مقاصة حصاد للتعب والسهر والبحث كمقدمة للانتساب لرتبة العلماء والمفكرين، ضمن تسلسل أكاديمي ووظيفي، وأجزم أن شروط الترقية التي تطبق في الجامعة الأردنية الأم هي شروط صارمة ودقيقة، واجتيازها بعد فلترة مبرمجة خصوصا بمجال التقييم للأبحاث المقدمة للترقية والتي تحتل النصيب الأكبر بأسهم القرار، فالأبحاث تقيم بالأقسام في خطوتها الأولى، وترسل للكلية، حيث يشكل عميد الكلية لجنة ثلاثية لتمحيص هذه الأبحاث وإقرار مدى ملاءمتها للرتبة المطلوبة، من حيث المحتوى وعلاقته بالتخصص الرئيسي والفرعي بنسبة معينة، مستوى المجلات التي نُشرت فيها الأبحاث ذات العلاقة ويشترط فيها أن تكون من الفئة الأولى ضمن التصنيف العالمي، ذات المرجعية بدرجات وعلامات متقدمة شريطة أن يكون المتقدم للترقية هو الباحث الأول بمنتصفها وذات فائدة وإضافة بالمعرفة، وبعد ذلك يُناقش الطلب بلجنة التعيين والترقية بمجلس الكلية لإقراره بعد مناقشة تقرير اللجنة، وتصدر توصية من المجلس لرئاسة الجامعة للسير بإجراءات الترقية بعد استكمال شروطها.

هناك إجراءات روتينية بلجان الرئاسة، حيث تعرض على نائب الرئيس لشؤون الكليات الطبية، الذي يدقق طلب الترقية ويستعرض توصية مجلس الكلية، اعتمادا على توصية مجلس القسم، والتأكد أن جميع شروط الترقية منطبقة تماماً، فتحول لأمانة سر المجالس التي تتولى التدقيق والتأكد من استيفاء الشروط، حيث ترسل إلى لجنة التعيين والترقية برئاسة رئيس الجامعة لمناقشتها، وهي صاحبة القرار لتشكيل لجنة علمية متخصصة بذات الاختصاص ويتم إختيار أفرادها بشكل سري من جامعات مرموقة وبرتبة الأستاذية في تلك الجامعات، من أجل تقييم السيرة الذائية والأبحاث العلمية المقدمة ضمن فترة زمنية محددة السقف والمدة، ودعوني أعترف، أن الفترة التالية هي الأصعب والأدق لأنها تتغذى بوقود الأرق والانتظار، تستنزف من الفكر والجهد وسنوات العمر وأسهم السعادة رصيدا كبيرا، قد يعوض بالنتيجة، فالترقية تحتاج لردود إيجابية من جميع الأساتذة المقيميين بعلامة لا تقل عن ثلاث علامات من أصل خمس علامات، يرافقها توصية واضحة بأهلية الترقية المطلوبة، ويمنع على المتقدم خلال هذه الفترة أي استفسار أو اتصال لأن الترقية سيتم إقرارها اعتبارا من تاريخ تشكيل لجنة التقييم.

وضعي الشخصي خلال فترة الانتظار يحتاج لمرافعة ومراجعة، فقدري أن أكون تحت مقصلة الضغط والقلق، كوني أتقدم للمرة الثالثة بعد اعتذارين سابقين عن إجابة الطلب، وكان هناك أبراج رصد ومراقبة واهتمام لترقيتي لا أعلم حتى الساعة مبررها، منها من يرتدي ثوب الحشرية، ومنها من يلبس قناع الحسد، وبعضها يضمر ويتمنى الفشل حفاظا على سلوكه وتفكيره، ولكن هناك من يتمنى الخير، فاختلطت الأهداف واختفى من الواقع قالب المرجعية للحكم، وبمناسبات النقاش يتطوع البعض للفتوى والمساعدة دون تقديم دليل ملموس، فكنت أهرب من الوحدة حتى لا أنخرط بالتفسير خشية أن أظلم أو أُظلم، فهناك مساحة معتبرة من الدعم قدمتها العائلة والأهل وزملاء مهنة سبقوني بالحصول على الرتبة، ومقارنة مع العديد لم تتعثر ترقية أي منهم، فربما جزء من القدر أن أكون ضحية فكرة أو وشاية أو توصية بقالب الحرص المزيف، لكن النتيجة واحدة؛ إحباط وخسارة، كلمات تعزية تخدر ألم الإخفاق، وتنهي بعبارة القناعة أنني استحق ولكنها ليست نهاية المطاف بدرجات من الرأفة، لأبدأ الاستعداد من جديد للتقدم للترقية بعد فترة زمنية من قرار مجلس العمداء بالاعتذار.

سبق ترقيتي لرتبة الأستاذية، فصل حياتي مؤثر، يدون بسيرتي الذاتية وهو عبرة للمقدمين على الترقيات الجامعية، فهناك مناقشة مع زملاء مقربين شعروا بأسى معاناتي وقلقي، وأيقنوا حصولي على درجة التصميم الكاملة بالترقية مهما طال الزمن وحمل من براكين وزلازل وعثرات، فلن أستسلم لأنني من مؤسسي مدرسة العناد والتحدي، صاحب نظرية مستقلة وبصمة مميزة، وكان ذلك يوم الخميس الموافق العاشر من الشهر العاشر لعام 2019، وتخدرت فلول القلق بكلمات ملطفة لم تشفع ببعث الطمأنينة والاستقرار، فتوترت الأعصاب لدرجة الغليان دون الإفصاح، والمؤسف أنني شخصية لا تستطيع إخفاء داخلها حتى لو مثّلت بذلك لأن تعابير الوجه أصدق، فعدت لمنزلي برؤية اختلطت معطياتها بأجواء ضبابية تتطلب الوحدة للتفكير والتخطيط، وبعد انتهاء الاستجواب من أفراد عائلتي عن سبب قلقي خوفا وحرصا على ديمومة سعادتي، قررت تعبئة نموذج طلب ترقية من باب الاحتياط وهروبا من التفكير السلبي، لأنني أمتلك الرصيد المطلوب من الأبحاث الجديدة والنقاط.

تلقيت خبر قرار مجلس العمداء الموقر بالترقية المستحقة في صباح يوم الإثنين الموافق الرابع عشر من الشهر العاشر لعام 2019 وأنا في مبنى التلفزيون الأردني بعد انتهاء مقابلتي التلفزيونية، وبعد انتهاء مراسم الاحتفال والسعادة وتقبل التهاني مع رصد أمين للفوائد المترتبة على هذه الترقية، جلست مع ذاتي بجلسة عصف ذهني عن خطواتي اللاحقة ذات الشأن والعلاقة، وقررت باعتراف وتعهد ذاتي أن الترقية هي الخطوة الأولى والأهم والقاعدة لمشاريع المستقبل، ولكنها ليست النهاية لمسلسل الطموح والأمنيات، بل البداية لدخول مجال المنافسة لتخليد الأعمال الشخصية في أيقونة العلماء، فهناك فرصة للامتثال بآخرين سبقوا، لأن أجواء البحث والعمل والتميز، تختلف عن هواجس الخوف وزوابع المزاج لصاحب القرار الذي يتطلب طيفا من التنازلات أحيانا، وبدأت بالفعل بهمة ونشاط بعد استعداد معنوي وشخصي، فالنظر للأمور ومتابعتها والحكم عليها من شرفة شاطئ الراحة والأمان تختلف بالنتائج والجهود لزيادة الرصيد والانتساب لأهل القمة والقامة، فهناك استحقاقات وهو ملف يستحق التوضيح وللحديث بقية.