كتب ناصر الشريدة

" موت شهيد بتعيش سعيد " بهذه العبارة صاح ابطال الجيش العربي الاردني بمعارك القدس واللطرون وباب الواد بفلسطين في وجه عصابات اليهود الغازية ، وهذه العبارة زلزلت الارض تحت اقدام عصابات العدو المحتل ، وجعلت من الجندي الاردني نموذج يحتذى بالشهادة والنصر ، حسب مساعد قائد الكتيبة الرابعة الاردنية بفلسطين الضابط محمد عمر سعيد العبدالنبي من بلدة ديرابي سعيد بلواء الكورة في محافظة اربد.

ويروي مساعد قائد الكتيبة الرابعة الاردنية بفلسطين انذاك الضابط محمد عمر سعيد العبدالنبي لـ"الرأي" ، احداث ومعارك خاضها الجيش العربي الاردني مع عصابات اليهود في عامي (1947 و 1948م) ، وكان التفوق والنصر المجلجل فيها للكتيبة الرابعة بباب الواد المنفذ الوحيد الى القدس ، والكتيبة السادسة بالقدس القديمة ، حيث تلقت عصابات اليهود الضربات القاسية التي اوقعت مئات القتلى والاسرى في صفوفهم .

ويقول الضابط العبدالنبي البالغ من العمر (95) عاما ، ان المعارك التي خاضتها كتيبتي الرابعة والسادسة في الجيش العربي الاردني ، هي من حافظت على الدوام ان تبقى القدس وفلسطين عربية اسلامية تحت السيطرة والنفوذ الاردني ، ومنعت اليهود وعصاباتهم من تحقيق اي مكسب على الارض رغم ضغطهم وتسلحهم وكبر عددهم ، وان عصابات اليهود لم تكن تعير لقتلاهم اي اعتبار بمقدار سعيهم الى السيطرة على الارض في القدس وجوارها .

ويضيف الضابط العبدالنبي ، انه منذ ان التحق بالجيش العربي الاردني في العشرين من شهر كانون الثاني الف وتسعماية وسبعة واربعين ميلادية ، ارسلت كتيبته التي وزع اليها بعد التدريب بالعبدلي الى منطقة باب الواد بفلسطين ، حيث كان قائد الكتيبة الضابط حابس المجالي ، وتمركزت بالواد كونه الطريق الوحيد للوصول الى القدس انذاك ، ومهمتها منع اليهود القادمين من خارج فلسطين عبر البحر واللد وراملة للالتحاق بعصابات اليهود بالقدس لتعزيز قوتهم ، حيث كان الاشتباك معهم بالليل والنهار ، وتكبيدهم خسائر بشرية كبيرة يوميا .

ويرجع الضابط العبدالنبي ، إصرار اليهود القادمين من شتى بقاع العالم ، بالضغط العسكري اليومي على الكتيبة الرابعة ، بهدف فتح الطريق امامهم للوصول الى القدس ، ولكن الابطال كانوا لهم بالمرصاد ، وكسروهم في كل محاولة يقومون بها ولم يمكنوهم من تحقيق حلمهم بالسيطرة على القدس ، وكنا نحصي مع اشراقة كل يوم جديد من هجماتهم الليلية ما بين سبعة الى ثمانية قتلى منهم .

ويستشهد الضابط العبدالنبي بحادثة من ليالي هجوم عصابات اليهود على الكتيبة الرابعة المتحصنة بخنادق لا تحيد عنها مهما ارتفع ثمن التضحية ، انه في صبيحة يوم هجوم ليلي وجدنا احد شهادئنا وهو من قرى جبل عجلون مستشهدا بخندقه وبجانبه قتيلين من اليهود بعد ان قضى عليهم بحربته بعد ان نفذت ذخيرته ، لان عصابات اليهود كانت تستخدم اسلوب الهجوم باعداد كبيرة مزوده بالعتاد والسلاح لتحقيق هدفها .

وفي خضم مجريات الاحداث يسرد حادثة استيلائه واثنين من رفاقه على رشاش لليهود في شهر رمضان ، كان مسلط على موقعهم بباب الواد ليل نهار ، وكان افراد عصابات اليهود يستغلون موعد افطار الجنود ويقومون برمي ذخائرهم علينا بكثافة ، عندها قررنا وبكل شجاعة ودون خوف من استغلال عتمة الليل والزحف على صدورنا الى ان وصلنا الى موقع الرشاش في الجهة المقابلة لنا ، وقمنا بقتل اليهودي واخذ الرشاش والعودة سالمين ، وما ان وصل الخبر الى قائد الكتيبة انذاك الرائد حابس المجالي ، حتى امر بتكريمنا ومنحنا وسام الشجاعة ، وهذا الوسام يمنع القانون العسكري من محاكمة حامله لو اخطأ .

ويروي مشوار التحاقه بالجيش العربي الاردني عام (1947م) وخضوعه لفترة تدريبية بلغت ثلاثة اشهر ، بعدها تم توزيعه على الكتيبة الرابعة التي تشكلت بالمفرق بقيادة القائد حابس المجالي ، واجري لها تدريب عسكري مكثف واشراكها بمناورة حية استخدمت فيها المدفعية والمدرعات ، مما جعلها محط اهتمام القائدة ووجهاء مناطق شرق الاردن ، حيث طلب منها التحرك للقتال بفلسطين بعد جلاء القوات الانجليزية عنها ، حيث وصلنا الغور الجنوبي ثم الى عمواس وتمركزنا بمنطقة باب الواد واللطرون ، مشيرا الى ان الجيش انذاك كان يضم حاميتين تحت قيادة انجليزية ، الاولى بالعراق والثانية بقيادة اوشتيل بفلسطين .

ويضيف ، بالتزامن مع تمركزنا بباب الوادي واللطرون ، تم دمج كتائب الجيش تحت مظلة الوية لامور تنظيمية ونفسية لضعضعة عصابات اليهود ، فكانت الكتيبة الاولى والثالثه بلواء والكتيبة الثانية والرابعة بلواء ، حيث تمركزت الكتيبة الثانية باللطرون والرابعة بباب الواد ، وبدأت المعارك بيننا وبين عصابات اليهود ، وكان هدفهم فتح الطريق الى القدس ودعم عصاباتهم القادمة من البحر عبر اللد والرملة بعد ان كبدتهم الكتيبة السادسة بقيادة عبدالله التل الكثير من القتلى والاسرى الذين تم نقلهم الى منطقة ام الجمال بالمفرق .

ويشير الضابط عبدالنبي ، ان سلاحه كان رشاش برن الانجليزي رقمه (9654) ومعه خمسة وعشرين مخزن ذخيرة وكل مخزن فيه ثلاثين طلقة موزعين على صندوقين ، وكان هذا الرشاش له عددين من الجنود ، كنت انا الاول واحمل رشاش مع صندوق والمساعد الثاني محمد فلاح المزاري يحمل الصندوق الثاني ، وكان مسؤول عنا رئيس فئة الملازم الاول محمد المحاسنة من الطفيلة ، وتابعين للسرية الاولى بقيادة كامل عبدالقادر احدى سرايا الكتيبة الرابعة التي تتألف من السرية الثانية بقيادة عبدالله السالم من الحصن والسرية الثالثة بقيادة صالح عيد من السلط .

ويقول ، ان اليهود من شدة اصرارهم للوصول الى القدس من خلال محاولاتهم تخطي تحصينات الكتيبة الرابعة بباب الواد والكتيبة الثانية باللطرون ، اننا لم نعرف النوم على مدار عشرين يوما متتالية ولم نكن نفكر بالطعام بقدر تصميمنا على قتل اكبر عدد من المهاجمين ، مشيرا ان طعامنا عبارة عن قطعة خبز تعطى لنا كل يومين ، وفعلا نجحنا بكل مرة .

ومن ناقل القول ، يسرد حكاية تغيير لون شماغ الكتيبة الرابعة ، حين اصر القائد حابس المجالي على صرف شماغات حمر بدل الصفر التي كنا نلبسها والاستغناء عن خوذ الفلين ذات الحربه باعلاها ، وذلك من باب جعل كل المقاتلين من الجيش بذات اللون ومنعا للتمييز الذي حاول الانجليزي تمريره بين جنود البادية والريف والهادف الى اثارة الفتن بينهم ، ولكن توحدنا ضد عصابات اليهود ، حتى ان القائد حابس المجالي لم يقبل اطلاقا ضم اي انجليزي الى الكتيبة الرابعة وكان باستمرار يهدد بالاستقالة ان تم ذلك ، حيث اختار الضباط والجنود من الاردنيين الابطال الذين لا يشق لهم غبار .

واشار الى حادثة نقض اليهود لعهودهم ، فقبل فرض هدنه بضغط من هيئة الامم بين العرب واليهود ، قامت عصابات اليهود بمهاجمة الكتيبة الرابعة بباب الواد باعداد كبيرة من الاسلحة والاليات والافراد واستمرت المعركة لمدة ساعتين خسروا فيها حسب اعترافهم مئتي قتيل واستشهد منا (68) شهيدا لا زالت قبورهم في عمواس شاهدة على تلك المعركة العنيقة .

وروى الضابط العبدالنبي ، حادثة مركز البوليس في اللطرون ، حين قامت عصابات اليهود بشن هجوم كبير على (12) جندي وضابط واحد متواجدين بالمركز بهدف السيطرة عليه وإحتلاله ، وكان المركز بالاصل للانجليز قبل انسحابهم ، ودارت معركة كبيرة بين الطرفين نفذت فيها غالبية ذخيرة الجنود ، حيث طلبوا تعزيزات من الكتيبة الرابعة باتصال ضابط المركز بقائد الكتيبة الذي ابلغه بارسال اربعة من صبيان حمدان ، وصبيان حمدان تعني مدرعات وتعود للقائد حمدان البليوي ، لكن اليهود التقطوا الاشارة وقاموا بزرع الطريق الواصل بين تجمع المدرعات ومركز البوليس بالالغام وتدمير الجسر ، وذات الوقت ارسلوا اربعة مدرعات بجنودها واسلحتها التي دخلت ساحة المركز بسهوله دون اعتراض الغفير الجندي محمود جبر الشريدة على اساس انها التعزيزات المطلوبة من الكتيبة الرابعة ، لكن الضابط والجنود احسوا ان المدرعات يهودية فقاموا باطلاق النار عليها ورمي القنابل اليدوية حتى قتلوا كل افرادها البالغ عددهم (36) يهوديا تقودهم ضابطة برتبة ملازم اول ، والتي تم قتلها على يد الجندي يوسف جريس .

وحسب الضابط العبدالنبي ، ان القتال بين الجيش وعصابات اليهود كان يدور في بعض الاحيان وجها لوجه وبالسلاح الابيض باستخدام حراب البنادق من شدة ضراوة المعارك ، وبسبب نفاذ الذخيرة ، حيث كنا من كثرة اطلاق النار على المهاجمين نقتل الكثير منهم ، والذين كانوا يصرون على فتح طريق لهم لعبور ومساندة عصاباتهم بالقدس ، وذات يوم حدث ان قام احد من افراد عصابات اليهود بالدخول الى مغارة اعداد الطعام (المطبخ) لقتل " طباخ الكتيبة" حيث تماسكا بشدة وجها لوجه وبالايدي الى ان قُتل اليهودي واستشهد الطباخ .

ويقول ، ان حبه للعمل بالجيش دفعه للتوجه الى مقر القيادة العامة بطريق وادي السير بعمان والتسجيل كجندي في (20 / 1 /1947م ) ، حيث تم توزيعه على الكتيبة الرابعة بالسرية الثانية الموجودة انذاك بصرفند بوادي سرار جنوب فلسطين بقيادة ابراهيم كريشان ووكيل السرية انيس الدرزي ، وامضى مدة ستة اشهر يقوم بحراسة مستودعات ذخيرة الانجليز التي كان عددها (22) مخزنا ، لمدة (12) ساعة يويما مقسمة على الليل والنهار ، وكان عريف الغفر راضي يعقوب يرتب برنامج وظائفهم ويتابعهم ، وبعدها عدنا الى الضفة الشرقية لمواصلة اعمال التدريب العسكري والرجوع الى فلسطين .

وتحدث الضابط العبدالنبي ، عن معاملة اسرى اليهود الذين تم اسرهم بالقدس ونقلهم الى ام الجمال بالمفرق ، وكانت بينهم ابنة احد قادة عصابات اليهود وهو موسى شرتوك ، حيث تم وضعها بمكان لوحدها بعمان ، عملا بمبادئ ديننا الحنيف وبعاداتنا وتقاليدنا واحسن التعامل معها ، حيث انه بعد الافراج عنها شكرت الاردن على هذه المعاملة الحسنة .