عمان - حنين الجعفري

يجمع خبراء ومعنيون على أن المشكلات الاقتصادية والسياسية تشكلان بيئة خصبة لظهور العنف والأفكار المتطرفة ومنها التكفيرية، وبخاصة عند بعض الشباب.

ويؤكد هؤلاء أن تردي الأوضاع الاقتصادية الصعبة والمستوى المعيشي، مع بروز الأزمات السياسية وتزايد تعقيدها إنما هي عوامل تكوّن جوهر الأزمات في المجتمعات.

ضعف البنى السياسية

أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية الدكتور بدر الماضي يقول عندما نتكلم عن بدايات ظهور التطرف في العالم العربي والاسلامي في المئة العام الأخيرة نرى أن الأفكار الارهابية والتطرف بدأت تصعد في المنطقة العربية والعالم الإسلامي بشكل عام عن طريق استخدام كثير من الجهات التوجهات الدينية لخدمة أغراض سياسية مع انعدام القدرة للسيطرة على الأفكار المتطرفة التي تروجها هذه الجهات.

ويلفت إلى أن كثيرا من الدول لم توجِد آليات حقيقية للتعامل مع هؤلاء الذين أسهموا بفاعلية في تخريب التوجه الفكري والثقافي لدى الشعوب العربية والاسلامية، وفي تدمير كثير من البنى السياسية والاقتصادية في العالم العربي.

ويشير الماضي إلى أن الواقع السياسي يؤثر على نمو هذه الأفكار الإرهابية والتكفيرية مع ضعف قدرة الدول العربية والدول المعنية في بناء مؤسسات سياسية حقيقية تستطيع أن تستوعب الرأي والرأي الآخر..

ويعتقد أنه إذا أرادت الدول (بشكل عام) أن تبعد شبح بروز التطرف والتنظيمات الإرهابية وخطورتها عليها وعلى مجتمعاتها، فعليها أن تعمل بشكل كبير على إيجاد بنى سياسية واقتصادية قادرة على استيعاب تطلعات الناس وطموحاتهم وتبايناتهم، والبدء بعملية البناء السياسي (الأحزاب والانتخابات وضمان الحريات)

ومن ثم، يتابع الماضي، توفير فرص عمل للعاطلين عن العمل ومن الشباب تحديدا، الذين هم «الهدف الأول للحركات المتطرفة»..

فبعض الشباب الذين لا يجدون فرص عمل «يلجأون للبحث عن بديل؛ فتستقطبهم بعض الحركات الإرهابية والمتطرفة في عالمنا العربي والاسلامي».

ويحذر من أن عدم القدرة على توفير فرص عمل وعدم وجود بنى اقتصادية حقيقية وبنى سياسي ومشاركة سياسية حقيقية وفعالة، وكذلك انعدام الرؤية الواضحة لدى صناع القرار «كلها عوامل تنشىء بيئة خصبة لصناعة مثل هذه السلوكيات الإرهابية والمتطرفة وستسهم أيضا في بروز مثل هذه الحركات المتطرفة التي أصبحت خطرة جدا على البناء المجتمعي».

تدني المشاركة يولّد الانقسامات

الخبير الاقتصادي حسام عايش يقول أن تدني حجم المشاركة الاقتصادية والسياسية للشباب تؤدي إلى مشكلات خطيرة تتعلق بالعنف والأمن والمفهوم السلبي للشباب، كما تخفض وجودهم وتجعلهم ينسحبون من المجتمع إما بشكل كامل (العدمية) أو بالانتماء إلى جهات بعضها إرهابي متطرف وبعضها الآخر لا علاقة له بأجندة الوطن إن لم يكن ضدها».

وهو يعتقد أن ذلك ينتج ما نراه من «الانقسامات الحادة في المجتمع كالانقسام الاقتصادي الطبقي على مستوى الشرائح.. دون أن يكون له علاقة بالنتائج الاقتصادية عندما لا يستطيع الاقتصاد أن يوفر فرص عمل..».

وهو ما يعني، وفق عايش، أن «قدرة الاقتصاد على استقطاب الاستثمار ضعيفة، وبالتالي يؤدي إلى ثبات أو تراجع نصيب الفرد».

وينبه عايش إلى أنه عندما يشعر الشباب أن المجتمع يخذلهم يتأثرون سلبا في طريقة تفكيرهم لتأخذ أشكالا مختلفة كالعنف أو الانتماء إلى جماعات إرهابية وأفكار تكفيرية.. أو حتى اللجوء إلى الانتحار».

وهو يشدد على أهمية أن توفر الحكومة فرص عمل لطالبي العمل، ومن الشباب خصوصا، مع أهمية مراعاة نوع العمل المتوفر وقابليته للتطور، «فكلما اندمج الشباب في المجتمع زادت الفرص الاقتصادية على مستوى أفقي كالمشاريع، أو عمودي؛ بمعنى أن الأعمال تطور نفسها باستمرار».

لا حل بدون الشباب

الخبير في الشأن الشبابي الدكتور محمود السرحان يرى أن مشكلات الشباب «جزء لا يتجزأ من مشكلات المجتمع». ويجزم بأن أي حل أو تفكير في هذه المشكلات «لن يكتب له النجاح خارج إطار السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم.. لعدة اعتبارات بشرية وتنموية وسياسية وأمنية.

ويفسر بالقول: فالشباب هم القوة الأبرز في المجتمع ومن خلالهم نستطيع أن نرى المستقبل ونتنبأ به.. فمَن يضمن هذا القطاع يضمن المستقبل.

ويجزم السرحان بأن وجود مشكلات الشباب وبقاءها بلا معالجة، وبخاصة «المشكلات المحورية» كالبطالة والفقر وغياب العدالة وعدم تكافؤ الفرص والفراغ وصراع القيم وأزمة الهوية.. وغيرها، تؤدي إلى انتشار السلوكيات الخطرة بكل أبعادها «كتعاطي المخدرات والانحراف وتنامي السلوك العنفي والإرهاب والتطرف وخطاب الكراهية وغياب لغة الحوار بين الجميع.

وهو ما يؤدي بالنتيجة وبالضرورة إلى «الاغتراب بكل معاييره وأشكاله وأبعاده بين أوساط الشباب ممثلة بحالات اللامعنى واللاقدرة واللاجدوى والاغتراب عن الذات وعن الآخر والشعور بالوحدة في مجتمع لا يساعدهم على التكيف والتعايش مع الآخر في إطار احترام الرأي والرأي الاخر والاقتران والاعتراف بشرعية الآخر».

ويستدرك السرحان بتوضيح أن وجود مشكلات لدى الشباب «ليست نهاية المطاف"؛ لكن المهم برأيه أن نتعرف جيدا كيف ينظر الشباب إلى هذه المشكلات وكيف ينظر المجتمع بمختلف مؤسساته إليها وما هي سبل الحل وآلياته، أو كيفية تخفيف حدة هذه المشكلات..».

والأمر الأكثر إلحاحا عنده، وقبل أي شيء، هو أن «تتوافر الإرادة السياسية والرؤية والإدارة الحكيمتين للتعامل مع هذه المشكلات إيجابيا، وتوافر النية الصادقة للبدء بتوفير حلول علمية وعملية دون تأجيل أو تسويق أو ترحيل لهذه المشكلات لمراحل لاحقة بما يفاقمها ويزيد تعقيدها أكثر فأكثر.. فيصعب الحل لاحقا».

ويبين السرحان أن التعامل مع الواقع يستدعي «النظر بعقلانية لهذه المشكلات وتجزئتها كأسلوب للحل وعدم مراكمتها والإيمان بالتدرج وبناء شراكات حقيقية لاقتطاع كل جهة بدورها ومسؤولياتها».

ضعف الوعي يسبب الاضطرابات

الشاب فارس الحسن لا يعتقد أن سوء الأوضاع الاقتصادية قد تكون بالضرورة دافعا للعنف أو الانسياق وراء الأفكار التكفيرية عند جميع الشباب.

فبرأيه، أن هذه الفئة من الشباب تعاني بالأصل من «اضطرابات تجعل هذه الأفكار أو العنف طريقهم الوحيد».

أما الشاب «محمود عبد الهادي» فيعتقد أن «انعدام الهدف» عند الشباب هو نتيجة «لعدم وجود وعي مجتمعي كافٍ..»، مما يرجح كفة العنف لدى فئات معينة من الشباب ويجعلهم غير قادرين على تخطي المشكلات الاقتصادية أو السياسية التي تواجههم.

ويطالب الحكومات بأن توفر فرص عمل للعاطلين وأن تحسن المستوى المعيشي لمواطنيها، بالإضافة إلى نشر الوعي السياسي لتفادي المشاكل الاقتصادية والسياسية قدر الامكان.