يُعتبر سلفادور دالي الفنان التشكيلي الأسباني الأميركي من أحد أهم فناني القرن العشرين، فهو أحد أعلام المدرسة السريالية.. ويتميز دالي بأعماله الفنية التي تصدم المُشاهد بمواضيعها وتشكيلاتها وغرابتها، وكذلك بشخصيته وتعليقاته وكتاباته غير المألوفة والتي تصل حد اللامعقول!!.

ومن كتاب سيرة حياة دالي «أنا والسوريالية» الذي ترجمه إلى العربية «أشرف أبو اليزيد» والصادر عام 2010 عن دار الصدى - دبي, نقرأ ما يلي:

وهكذا بين (الحياة والموت) أو (الموت والموت) تتأرجح ذكريات سلفادور دالي الأولى، مثلما تتراوح فيما بعد أعماله.. حيث يتذكر دالي في لحظة يدَّعي فيها الموت صديقه الشاعر غارسيا لوركا الذي التقي به في الجامعة ولم يفارقه أبداً.

فيقول: ما زلت أستطيع تذكر وجهه، ميتاً وفزعاً، وراقداً على سريره، محاولاً المرور بمراحل تحلله البطيء، العفونة من وجهة نظره، تستمر أياماً خمسة.

ثم يصف دالي التابوت وكفنه، والمشهد الكامل لغلقه، وتقدم النعش فی شوارع غرناطة الوعرة، وحين يتأكد لنا جميعا أننا قد تملكنا الفزع.. ينهض لوركا فجأة منفجراً بضحكة بريئة تظهر كل أسنانه البيضاء الرائعة، ويرسلنا خارج الباب.. بينما يعود هو لسریره لينام هادئا بحرية!!.

ويقول المترجم: ان هذا اللعب على المتناقضات الذي ترسخ في عمق طفولة الفنان دالي الذي بدأ الرسم مبكراً، هو الذي صحبه طوال رحلة الإبداع.

فدالي لديه حضور قوي من جبال التناقضات معاً حتى تتميز الأشياء لديه!.. فهو على استعداد أن يصل الى أقصى درجات الألم، ليحصل على أفضل مشاعر الإعجاب؛ لذا نراه يقفز في الفضاء وهو يهبط الدرج بمدرسة مارسیت براذر.. ليقع حتى يجذب الأنظار نحوه.. فتصيب جسده كله الكدمات والرضوض بعنف أدهش الطلبة والمدرسين!!.

وبعد أیام قلائل، يكرر دالي ما فعله وبصورة أعلى وبدرجة تكفي لأن تتحول كل العيون تجاهه، ويفعلها مرات ومرات.. وفی كل مرة كان يهبط الدرج، يتحول انتباه الفصل كله نحوه، لكنه في آخر مرة يسير في صمت القبور... هنالك كانت شخصية دالي تتشكل على النحو الذي ستستأثر فيه بالعيون والعقول وأغلفة المجلات لعقود طويلة!!.

وفي سن الرابعة عشرة أقام سلفادور دالي أول معرض له فی كتاب (لوحات دالي) ،والتحق باكاديمية سان فرناند للفنون الجميلة بمدريد 1921، حيث تعرف على صديقيه الشاعر لوركا والسينمائي بونويل.

لكن بعد خمس سنوات يصفه أساتذة الأكاديمية بعدم الكفاءة وعدم القدرة على تقدير موهبته فيُطرد في العام 1926, وحينها يتوجه لزيارة مرسم بيكاسو في بـاريس، ليقول له: (لقد أتيت لرؤيتك قبل أن أزور متحف اللوفر)!! وكان رد بيكاسو: (أنت على حق تماماً)!!.

ومثلما كان فرويد يخاطب بعض المرضی النفسيين من ضحايا الحرب الأهلية والعالمية، كان السورياليون ومنهم دالي يتوجهون بفنهم لمصابين بـاضطرابات عصبية من مرضى الحروب نفسها.

ولازمت عقدة الفقر سلفادور دالي حتى التقى بِ «جالا» المُحبة للاستعراض مثله، ففي العام 1933 أقنعت الموسر «جان لوي» بتكوين «جماعة بروج الشمس» من مقتني اللوحات، لدعم سلفادور دالي بالتبرعات السنوية حتی سفره في العام 1940 إلى الولايات المتحدة الأمريكية.. لتصنع منه الصحافة هناك أسطورة إعلامية، خصوصا بعد نشر صورته على غلاف مجلة التايم عام 1936 وهو ما جلب له الثراء المنتظر.

وحين كانت جالا، معجزة حياته، كمـا يسميها دالی، تجتاز عملية جراحية خطيرة في 1936 كانا يقضيان وقتهما في حالة من اللامبالاة الظاهرية، يخلقان موضوعات سوريالية في اليوم الذي سبق إجراء الجراحة!!.

ويتذكر دالي : كانت جالا تُسلي نفسها بجمع عناصر مدهشة ومتباينة معاً من أجل فبركة ما يبدو أنه أدوات آلية بيولوجية؛ النهود مع ريشة في الحلمة، وعلى قمة الريشة هوائيات معدنية منغمسة داخل إناء دقيق (ويبدو هذا التركيب مرجعاً ضمنياً لجراحتها الآتية).

ويتابع دالي قائلاً: ولكن ما حدث أنه في طريقنا للمستشفى داخل التاكسي كنا نخطط للتوقف عند «أندريه بريتون» كی نریه اختراع جالا، إلا أن ارتطاماً حاداً للسيارة جعل البدعة تنحرف إثر الصدمة ويغمرنا الدقيق!! ويمكن لك ان تتخيل كيف كنا نبدو حين وصلنا للمستشفی!.

وما هو هام أنه مساء ذلك اليوم كان دالي مشغولاً بإعداد النسخة النهائية من اختراعه؛ ساعة نوم مصنوعة من حلية ضخمة من الخبز الفرنسي وداخلها 12 محبرة زجاجية يملؤهـا حبر بلون مختلف فيه قلم ريشة.

وحتى الثانية صباحاً، كان لا يزال يعمل على إتقان ساعته بإضافة ستين محبرة ملونة بالألوان المائية على أوراق اللعب معلقة من الخبز ثم خلد للنوم.

لكن في الخامسة صباحاً، كانت أعصابه المشدودة توقظه, فقد كان يتصبب عرقاً، وبداخله أنفاس ندم.. فنهض بغير ثبات باكياً كأن عقله تثيره صور «جالا» في أوجهٍ حياتيةٍ عديدة.

وانطلق دالي نحو المستشفى يصرخ.. ولأسبوع كان العرق يغطيه، والموت يربض في حلقه.. وأخيراً تم تخطي هذا المرض.. ودخل غرفة «جالا» لأخذ كفنها بكل الرقة في العالم.. ليصبح الضعف ذاته قوته، فهو يُثري بالمتناقضات!!.

وحين توفيت «جالا» في حزیرانن 1982 وكان مريضاً، اشتد عليه الألم النفسي والجسدي، خصوصاً بعدما أصيب بجروح خطيرة أثناء نومه.

ومات سلفادور دالي في 23 كانون الثاني 1989 بعد عزلة إجبارية في قصره، و60 عاماً من الشهرة والغنى والمجد.