أبواب - وليد سليمان

في بداية الأربعينيات من القرن الماضي ظهرت ثاني دار سينمائية في العاصمة عمَّان–بعد أول دار سينمائية فيها وهي سينما البتراء التي أنشئت عام 1935- وكان الجمهور الأردني قد بدأ يتعرف على أهمية مشاهدة الأفلام السينمائية بما لها من قيمة تثقيفية وعلمية وحتى ترفيهية, وكذلك كمكان لملتقى الأحبة والأصدقاء والعائلات.

فوق عمارة آل ماضي

في العام 1943 قررالسيدان صلاح العلبي وشكري العموري إنشاء دار سينما صيفية, فاختارا موقعها بشارع الملك فيصل في عمان بعمارة لآل ماضي- التي تجاور سوق الذهب والصاغة الآن- وأطلقا عليها اسم «سينما الإمارة» تيمناً باسم إمارة شرقي الأردن.

وكانت هذه السينما أول سينما مفتوحة دون سقف ثابت!! فكان أصحابها يلفون حولها القماش الأسود!! لمنع المتلصصين من سكان المناطق العليا المطلة عليها من مشاهدة عروضها السينمائية مجاناً!! وليكون رواد هذه السينما في وضع مريح بعيداً عن عيون الفضوليين.

وقد ذكر لنا الراحل سند ماضي » أبو خلدون» قبل سنوات من خلال ذكرياته القديمة عن عمان ما يلي: لقد كانت سينما الإمارة تقع على سطح أحد مباني والدي عبدالرحمن باشا ماضي, التي تتواجد في شارع الملك فيصل في قلب عمان وسط البلد.

وكان من تحت هذه السينما المحلات الشهيرة قديماً محلات الحايك للأقمشة والملابس الفاخرة.

وقد أقيمت سينما الإمارة في الأربعينيات لعرض الأفلام نهاراً وليلاً.. وكان لها سقف متحرك!! وظلت تعرض الافلام السينمائية لمدة سنتين.

وقال ماضي: لقد شاهدت في هذه السينما الفيلم العربي الشهير (ليلى) والذي مثل فيه كل من: ليلى مراد ومحمود المليجي وحسين صدقي.

سينما صيفية مكشوفة

وهذه السينما تم نقلها بعد ذلك الى سطح عمارة شريم على بعد (200) متر فوق مبنى بنك الأردن- والذي حلَّ مكانه في فترة لاحقة البنك الاسلامي أيضاً- وقد عُرفت هذه السينما فوق عمارة شريم بأنها أصبحت سينما الإمارة الصيفية !! حيث أنها سينما بدون سقف!! تعرض أفلامها في فصل الصيف فقط.

فيلم «ليلى» لليلى مراد

وفيلم «ليلى» الذي عُرض في سينما الإمارة بتلك الفترة هو فيلم مصري من إنتاج عام 1942، وقصة الفيلم مأخوذة عن رواية «غادة الكاميليا «لمؤلفها الفرنسي ألكسندر دوما الابن التي نُشرت سنة.1848

وكان من الفنانين الممثلين في فيلم «ليلى»: ليلى مراد، حسين صدقي, محمود المليجي, بشارة واكيم، زوزو شكيب, فردوس محمد, عبد السلام النابلسي, وغيرهم.

وقصة الفيلم كانت تدور في قصر أحد الباشوات عام 1896 الذي يدعو المطربة الشهيرة «ليلى» لإحياء السهرة الحافلة، وبين المدعوين في الحفل نرى حسين صدقي «فريد» هذا الشاب النقي, الذي يدرس في كلية الحقوق وليس له باع في مثل هذه الحفلات، فيأتى إلى «فريد » المربى عبد المقصود أفندى» بشارة واكيم» ليطلب منه العودة معه إلى البيت ليستعد للسفر الى قريتهما في صباح اليوم التالي، في هذه اللحظة تظهر المطربة «ليلى» وتتجه الأنظار إليها فينبهر «فريد» بالنجمة الفاتنة!! وبعد انتهاء حفل الغِناء يتم تعارف «ليلى» وفريد عن طريق صديقه عبد ?لسلام النابلسي «حمدي».

ومنذ ذلك اللقاء يصطدم فريد بسذاجته بعدم اكتراث «ليلى» به!! لنجده يهيم بها حباً.. ويحتفظ بوردة حمراء كانت ضمن الورود التي ألقت بها ليلى على الحضور وهي تغني في الحفل.

بعد فترة يعرف فريد أن ليلى مريضة فيذهب إلى بيتها في القاهرة, ويقدم لها باقة من الورد يأخذها منه البواب, الذي يخبره بأن ليلى قد شُفيت وهي ليست بالمنزل.

وبإلحاح فريد يعرف أن ليلى ذهبت للتنزه على شاطئ النيل في الروضة, ويظل يراقبها من بعيد، ثم يعود إلى صديقه حمدى ويطلب منه أن يقدمه في حفل تحضره ليلى، وهناك تغنى ليلى، وبعد أن تنتهى من الغناء تنتابها نوبة سعال حادة, فيهرع إليها فريد ويطلب منها أن تعتنى بنفسها، كما يخبرها بأنه صاحب الزهور التي كان يرسلها إليها.

وتتطور الأحداث حتى تبادله ليلى مشاعره ويربط بينهما الحب، فيهمل فريد دراسته ويستغرق في حب ليلى, فيستاء والده من ذلك، فيذهب إلى ليلى ويستعطفها أن تترك فريد ليرعى مستقبله ودراسته!!.

وبرغم أن ليلى تحب فريد إلا أنها آثرت أن تنأى عن طريقه, لتفى بوعدها لوالده، فأشاحت عنه مدعية أنها تحب شخصاً آخر.

ويحدث أن تسوء حالة ليلى الصحية فتطلب من والد فريد أن يتيح لها رؤية فريد.

وأخيراً يعترف الأب بالحقيقة لابنه, فيهرع فريد إلى ليلى التي تموت على فراش المرض وهو يحتضنها باكياً!!!.

دموع نساء عمان!

ويروي الباحث الراحل «فؤاد البخاري» في ذكرياته عن عمان بقوله:

ومن أجمل ذكرياتي مع دار سينما الامارات، حضور عرض لأجمل أفلام المطربة ليلى مراد، فيلم «ليلى» الذي شهد إقبالاً جماهيرياً كاسحاً، وخصوصاً من سيدات عمان.. فقد كان التأثر يبدو عليهن من الأغاني الرقيقة لليلى مراد اولاً، ومن التمثيل والملابس الباهرة لليلى مراد، ومن النهاية المأساوية للفيلم!! إذ تموت البطلة بين يدي البطل، فتنهال دموع سيدات عمان بعد إنتهاء العرض في مشهد غير مألوف!!!.

بل إن الكثير من الرجال لم يتمكنوا من حبس الدموع في لحظة النهاية المصيرية تلك!!!.

ويقول البخاري: وأذكر كذلك عرض فيلم «الطريق المستقيم» في هذه السينما لعميد المسرح العربي يوسف وهبي والنجمة الكبيرة فاطمة رشدي, وبعض أفلام الكوميدي اسماعيل ياسين.

وعندما انتقلت هذه السينما في وقت لاحق، الى موقع آخر في الشارع نفسه، فقد أتيح لمن يقف في جبل عمان–قرب بيت رئيس الوزراء الأسبق توفيق أبو الهدى- مقابل سينما الإمارة رؤية الأفلام على سطح عمارة شريم–عن بُعد–فكنا نفترش الأرض قبل حلول الظلام، وقد جلبنا الشاي والمكسرات، استعداداً لمشاهدة العرض كما لو أننا من رواد السينما.

وقد توقفت دار سينما الإمارة عن عروضها للأفلام العربية والأجنبية في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، فكانت أول وآخر سينما صيفية مكشوفة في عمان.

محمد أمين شريم

وعن دخلة آل شريم التي كانت تؤدي الى العديد من المحلات والمباني الخاصة بآل شريم, ومنها المبنى الذي استقرت على سطحه سينما الإمارة.. لا بد من التعريف بهذه الشخصية الشهيرة التي أسست هذا المكان وهو السيد«محمد أمين شريم».. فقد كان من أبرز الناشطين في العمل الإجتماعي, ومنها أنه كان رئيسا للجمعية الخيرية الأردنية, التي كانت تتعاطى بالعديد من النشاطات الخيرية والثقافية في عمان.

فقد أوردت مجلة «الحكمة» الشهرية الأردنية التي كان يترأس تحريرها العلامة الشيخ نديم الملاح في عددها الصادر في جمادى الأولى في تشرين الأول عام1932 خبر تشريف صاحب الجلالة الملك فيصل بن الحسين ملك العراق وسموالأمير عبد الله بن الحسين أمير البلاد الأردنية بحضورهما الكريم مسرحية فتح الأندلس التي مثلها نخبة من شباب الأردن قديماً.

عبدالرؤوف منكو

هذا وقد ورد اسم سينما الإمارة في كتاب ذكريات الفنان الكوميدي

«عبدالرؤوف منكو» هو من أقدم الفنانين الأردنيين في فن التمثيل الساخر (المونولوجست), ومن أوائل الصحفيين الذين اصدروا مجلة فكاهية ساخرة في الاردن اسمها «على هامان يا فرعون» في العام 1948, ففي العام نفسه عمل على إقامة مسرحية في سينما (البتراء) في عمان, وأسندها الى نادي الجزيرة، وكانت البروفات تتم في دار سينما (الامارة) التي كانت تقع مكان البنك الاسلامي في شارع الملك فيصل.

وكان اسم المسرحية «شيلوك الجديد» للمؤلف المصري علي احمد باكثير، وكان الاقبال على حضور هذه المسرحية شديداً في عمان، ثم عرض مسرحية أخرى اسمها «عدالة الله» من تأليف عميد المسرح العربي الفنان يوسف بك وهبي, من إخراج وإدارة عبدالرؤوف منكو.