أ.د. جودت أحمد المساعيد

تتمثل أهم الخصائص المعرفية للطلبة الموهوبين في سرعة استيعاب المفاهيم والتعميمات والعلاقات المعقدة بين الأشياء أو الأمور أو الموضوعات أو الأحداث. ومع أن الطلبة العاديين يتوصلون إلى تعميماتٍ خلال عملية التعلم، إلا أن الكثير من الطلبة الموهوبين يستطيعون التوصل إلى مثل هذه التعميمات بدرجة أسرع بكثير في ضوء قوة التركيز الواضحة والقدرات العقلية المتميزة.

وفي الوقت ذاته، نجد أن غالبية الطلبة الموهوبين يتمكنون بسرعة من فهم الرموز المجردة التي يتعلمونها وإدراك العلاقات المعقدة بين هذه الرموز. فهم يختلفون كثيراً عن بقية الطلبة في درجة التجرد التي يمتلكونها للمفاهيم والرموز التي يتعلمونها بسرعة فائقة، والغوص في أعماق العلاقات التي تربط بين هذه الرموز. فهم بصورة عامة يمتلكون ذاكرةً ممتازةً، ويتعلمون الحقائق ذات العلاقة بالمفاهيم المجردة مثل العدالة والديمقراطية والحق والإخلاص بسهولة وبسرعة أكثر من رفاقهم العاديين.

كما أنهم يفهمون بعمق العلاقات المعقدة مثل التوازن والمساواة وتركيب الصور المفاهيمية والذهنية بدرجة أسرع من أقرانهم، حتى ممن يكبرونهم سناً. ومع ذلك، فإن كل هذه القدرات الفائقة لدى هؤلاء الطلبة قد تسبب لهم مشكلات عديدة مثل رفض طرق التدريس التقليدية المستخدمة، ومقاومة عملية مراعاة رفاق السن العاديين، وسيطرة الملل عليهم من السير البطيء في العملية التعليمية التعلمية.

ومن بين الخصائص المعرفية المقرونة بالطلبة الموهوبين صفة الإبداع. إلا أنه توجد مناقشات حامية بين بعض المربين حول ما إذا كان الإبداع يمثل خاصية فكرية أم لا. فقد أوضحت نتائج الاختبارات أن الطلبة الذين حصلوا على درجات مرتفعة في اختبارات الذكاء قد حصلوا كذلك على درجات مرتفعة في مقاييس الإبداع. ومع ذلك، فإن الإبداع ليست صفة يتميز بها جميع الطلبة الموهوبين، كما أنه ليس جميع أولئك الذين يحصلون على درجاتٍ مرتفعةٍ في مقاييس الإبداع يمكن لهم أن يحصلوا على درجاتٍ عاليةٍ في اختبارات الذكاء.

فالمربون غالباً ما يميزون بين نمطين من أنماط التفكير هما: التفكير التشعيبي والتفكير التجميعي. فالطلبة الذين يحققون انجازات مرتفعة في كلمات وعبارات عديدة ومترابطة، ولديهم مرونة عالية، عن طريق طرح أفكارٍ متنوعة واقتراح حلولٍ مختلفة للمشكلات التي تواجههم، ويمتلكون أصالة واضحة عن طريق استخدام طرقٍ أو أفعالٍ نادرة، وكلماتٍ وتعبيراتٍ متميزة عن غيرهم، ولديهم بصيرةٍ نافذة، حيث يدركون حلولاً متنوعة للمشكلات في المستقبل المنظور وحتى البعيد، فإنهم يوصفون في الغالب بأن تفكيرهم من النوع التشعيبي.أما عن أولئك الطلبة الذ?ن يحققون نتائج طيبة في مقاييس التفكير التجميعي، فلديهم قدرة عالية على التذكر والتفكير والتصنيف، ويثبتون قابليتهم العالية للتفوق في النواحي الأكاديمية المختلفة، ويميلون إلى الاستقلالية أحياناً ولغير الاستقلالية أحياناً أخرى.

وفي هذا الصدد فإن رينزوليRenzulli، قد طالب المعلمين والمديرين في مختلف المدارس، بأن يوسعوا مجالات تفكيرهم، وأن يدركوا المعلومات والحقائق والأفكار عن علم الموهبة، وأن يلتزموا بجانب التدريب والممارسة والتطبيق للأفكار المتعلقة بالموهبة، مع الإلمام بأن الموهوبين من الطلبة لديهم قدرة عالية من الذكاء والإبداع والالتزام بأداء الواجبات بمستوياتٍ عاليةٍ من الدقة والإتقان.

أما عن الخصائص الأكاديمية للموهوبين، فغالباً ما يحصل الطلبة الموهوبون على مستويات تحصيلٍ أكاديميةٍ عاليةٍ في مادةٍ دراسيةٍ واحدة أو أكثر، وأن إنجازهم الأكاديمي في الرياضيات والعلوم واللغات والدراسات الاجتماعية يبقى فوق المعدل، وأنهم يقعون ضمن نسبة ما بين 5-10% من أفضل الطلبة في هذه المجالات للمنهج المدرسي، وبخاصةٍ عندما تتم مقارنتهم بأقرانهم من ذوي الأعمار المتقاربة، وأنهم غالباً ما يبرهنون على وجود قدرات متميزة في الإبداع والفنون والبحث الميداني القائم على التصوير الفوتوغرافي.

ورغم ذلك، فإنه ليس جميع الموهوبين يؤدون أداء جيداً في المدرسة. فقدراتهم العقلية المتميزة تخلق لهم الكثير من المتاعب والمشكلات في العلاقات الشخصية مع الأقران، مما يجعلهم أحياناً يرفضون أن يكونوا مختلفين عن زملائهم ورغبتهم بأن يكونوا عاديين. فقد أشارت نتائج بعض الدراسات ظهور مشكلة انسحاب بعض هؤلاء الطلبة من المدرسة أو أنهم حصلوا على معدلاتٍ منخفضةٍ في المواد الدراسية المختلفة.

ومن جهة أخرى، فقد دارت مجادلات بين المربين مفادها أن الطلبة الموهوبين يميلون للانسحاب من المدرسة والانتقال إلى مدارس أخرى، وذلك لأن طرق التدريس المتبعة من جانب العديد من المعلمين والمنهج المطبق من جانبهم ليس فيه ما يثير التحدي لدى هؤلاء الطلبة. لذا، فليس لديهم أي نوع من الدافعية الحقيقية للحصول على نتائج أكاديمية مرتفعة، نتيجة التدريس السيئ من جانب العديد من المعلمين الذين لا يفهمون جيداً حاجات الطلبة الموهوبين وقدراتهم واهتماماتهم، مما يجعلهم دون المستوى في التحصيل الأكاديمي رغم خصائص الموهبة التي يتصفون ?ها.

وتبقى المعضلة قائمة بالفعل، وهي أن الطلبة في العادة لا يتم تحديدهم رسمياً كموهوبين وتقديم الخدمات الخاصة التي يحتاجونها حتى يحققوا إنجازاتٍ في التحصيل الأكاديمي، حيث يتفق القائمون على التربية والتعليم بأن الموهوبين هم الذين يحققون إنجازاتٍ رائعةٍ وفوق مستوى الصف من الناحية الأكاديمية، بالإضافة إلى الحصول على درجاتٍ مرتفعة في اختبارات الذكاء المتنوعة.

ومن جهة أخرى، فإن الطلبة الموهوبين لا يحققون درجاتٍ عاليةٍ في جميع المواد الدراسية التي يتضمنها المنهج، والتي قد تسبب مشكلاتٍ عندما يتوقع أولياء الأمور من أبنائهم تحقيق إنجازات مرتفعة في تحصيل المقررات كافة. فعلى سبيل المثال، نجد أن بعض الطلبة الموهوبين قد أظهروا تفوقاً كبيراً في مجالات فهم المعاني اللغوية وميدان الدراسات الاجتماعية وميدان العلوم، ولكن إنجازهم في مادة الرياضيات كان متواضعاً، وهو غير مقبول إجمالاً بالنسبة للموهوبين في مادة الرياضيات على سبيل المثال.

وقد تكون هذه النتائج مفهومة وواضحة لدى الكثير من المهتمين بعالم الموهبة. فقد يبدأ عدد كبير من الأطفال تعلم القراءة، معتمدين على أنفسهم مع القليل من المساعدة والإشراف من جانب المعلمين أو أولياء الأمور، وما أن يتعلموا المهارات الأساسية للقراءة بشكلٍ دقيق، نجدهم متميزون بقراءةٍ ذات مستوىً رفيعٍ جداً، والأمر ذاته قد ينطبق على مادة الرياضيات، حيث ما أن يتقن بعض الطلبة المهارات الأساسية في الرياضيات، حتى ينطلقوا بقوة نحو التميز والتفوق.

وقد قام المربي جلاجر Gallagher بطرح موضوعات عن هذه الحالات، حيث يرى بأنه ما أن يتم تعلم الطفل الموهوب لمهارات القراءة، فإنه لم تعد أمامه أية عوائق إضافيةٍ يحتاج إلى اجتيازها، ويبقى عليه التوسع في المعارف والمهارات الخاصة بالقراءة. فإنجازهم في اختبارات التحصيل المرتبطة بالقراءة لا تتطلب تعلم مهارات أخرى أصعب أو أعمق من ذلك.

ومع هذا، فإن التحصيل في مجال مادة الحساب يُقاس بقدرة التلميذ على التقدم من خلال مجموعةٍ محددةٍ جيداً من المهارات المعتمدة على بعضها وبشكلٍ هرمي. لذا، فإن الطفل الذي يدرس في الصف الثالث الأساسي، ولكي يحصل على علامة في الحساب مساوية في مستواها للصف السادس الأساسي، فإنه ليس بالضرورة أن يمتلك عمقاً في المعرفة لمادة الرياضيات للمستوى السادس، بل بحاجة إلى معرفة العملية الحسابية المطلوبة فقط مثل طرح الكسور العشرية أو القسمة الطويلة.

خبير المناهج وطرق التدريس

profjawdat@yahoo.com