أبواب - غدير سالم

مرض الزوجة ووصولها في بعض الأحيان إلى العجز عن القيام بأبسط شؤونها والقيام بمسؤولياتها، تجعل الشريك مطالباً بالاعتناء بها وبلعب دورين في البيت، وهذا الوضع يعد من أكثر المواقف صعوبة عند الأزواج وهو بمثابة اختبار حقيقي لمشاعرهما تجاه بعضهما بعضا ولتشبث كل منهما بالآخر.

ويجد الزوج نفسه بعد مرض زوجته وقد أُلقيت على عاتقه مسؤولية جديدة أضيفت إلى واجباته المعتادة تتمثل في المساعدة أو العناية بها ويواجه وضعاً لم يفكر فيه من قبل، فهو يفرض نمط معيشة طارئا على الأسرة بأكملها، ويعيد ترتيب المهام وتوزيع الأدوار، هذا الارتباك يجعل بعض الأزواج يفكرون في الاختيار بين مواصلة علاقتهم الزوجية وبين الهروب من الحِمل الجديد.

يقول الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبة:«الأصل أن تقوم العلاقة بين الزوجين على التواد والتفاهم والانسجام، وأن يتوقع كل منهما أن يبادر تجاه الآخر بالقول الحسن والفعل الخير، وتأتي مبادرة الزوج إلى مساعدة زوجته في الأعمال داخل المنزل ولصالح الأسرة بدافع الحس التضامني التعاوني الذي يتحلى به وهو الحس الذي يتفاوت مقداره ومستواه بين شخص وآخر».

ويضيف :«ونلاحظ أن شعور الأزواج بأنهم غير مسؤولين عن أي شأن داخل البيت قد اضمحل مقابل أن شعورهم بواجب المساعدة في بعض الأعمال المنزلية مما يخفف من الأعباء على زوجاتهم قد قوي وأصبح من الأمور البيتية التي لا نقاش حولها ولا تردد بفعلها، وخاصة اذا كانت الزوجة تعمل في مؤسسة من المؤسسات وتخرج وتعود الى البيت بانتظام وكل يوم وتقديراً من الزوج لانشغال الزوجة طوال ساعات النهار فإن ذلك يدفعه إلى التعاون مع زوجته في إنجاز الأعمال البيتية والمسؤوليات قدر استطاعته وحسب خبراته».

ويرى غرايبة:«تشتد الحاجة لمساعدة الزوج بالأعمال البيتية في حالات مرض الزوجة وخاصة إذا كانت أمراضاً عقيمة أو مزمنة أو مستمرة وهنا تتجلى نخوة الزوج وحسن تقديره ومبادرته في التخفيف عن كاهل الزوجة،وقد يبرر عدد من الأزواج عدم مساعدتهم في الأعمال المنزلية لعدم توفر القدرة والخبرة أو الوقت لذلك، وخاصة أن أعمالهم أعادتهم إلى بيوتهم منهكي القوى ويتضورون جوعاً».

ويتابع:«ولكن ذلك يمكن تداركه بتخصيص الوقت المناسب لمساعدة الأزواج لزوجاتهم داخل البيت بعد إعطاء الوقت الكافي للطعام والراحة وإعادة تنظيم الذات للقيام بمثل تلك الأعمال باستمتاع وحماس وتجاوب، وكثيرون هم الأزواج الذين لديهم القدرة على الطبخ وربما أكثر من زوجاتهم وقد يختار بعضهم أعمالاً اخرى تقع عادة على الزوجات كتحضير السفرة لتناول طعام الغداء أو مساعدة الأطفال في تبديل الملابس بالشكل المناسب أو احضار المواد المكملة للوجبة التي حان وقتها، عدا عن إحضار المواد وشرائها من الأسواق الصغيرة أو الكبيرة والمحال البعي?ة او القريبة».

ويبين:«إن الأساس في كل ذلك هو التفاهم وتقدير ظرف كل طرف للاخر واستبعاد فكرة أن الأعمال البيتية مقتصرة على الإناث دون الذكور وعدم الشعور بالخطأ أو الظلم أو الغبن اذا ما طلبت الزوجة أو الأم من زوجها أو أبنائها الذكور أن يمدوا يد المساعدة في الأعمال داخل البيت مما يسرع بالإنجاز وبما يقوي من التفاعل والتآزر بين أعضاء الأسرة الواحدة وهو أمر لا يخالف عادات المجتمع ولا تقاليده ولا أعرافه ولا معتقداته».

وتقول الاستشارية التربوية والأسرية رولا خلف:«حين يصاب أحد الزوجين بمرض تتأثر حياتهم تأثراً شديداً ويتعرضان للتوتر والقلق، ويقع الحمل الأكبر على الطرف الآخر السليم الذي ينبغي أن يتحمل أعباء إضافية كبيرة،ومع زيادة وضوح حالة المرض تتباين درجة الارتباط بين الزوجين ودوام العشرة بينهما».

وتضيف:«فالمرض هو نوع من أنواع البلاء وهو ليس اختياريا فالشخص المريض سواء الزوج أو الزوجة لم يختر بإرادته أن يكون مريضا، فهل يرضى كل منهما على ترك الاخر في محنته، وإذا كانت الإصابة بعد الزواج فليس من حسن العشرة والوفاء أن يرضى أحدهما بترك الآخر والتخلي عنه، فمن الممكن أن يعيش الزوجان معاً ويستمتع كل منهم مع الآخر كما كانا قبل المرض ».

وتتابع:«فالزوج الصالح نعمة كبيرة لا يمكن تعويضه، ومن حقوق الزوجة على زوجها رعايتها عند المرض وعدم جرح مشاعرها، وأن يأخذ بيدها ويقوي عزيمتها لتهزم المرض، فالزوج له دور كبير في تحسين الحالة النفسية لزوجته من خلال الإهتمام بها ومراعاة مشاعرها والتواصل معها فتشعر بالأمان والاطمئنان فيؤثر على تحسين نفسيتها وتتشافى بسرعة، فزوجها سلاحها القوي للخروج من أزمتها المرضية».

وترى خلف أن:«المرأة ينكسر قلبها إذا تخلى عنها زوجها وتركها، فعلى الزوج ان يكن لزوجته كما يحب أن تكون له في حال مرضه، فالمرض يكشف المشاعر المخفية ويقوي العلاقة بين الزوجين، وهناك نماذج كثيرة من الأزواج لم يتخلوا عن زوجاتهم بل رافقوهم برحلة العلاج واهتموا بأولادهم، وكان وفاؤهم قائما على الحب والمودة وهو أساس العلاقة الزوجية، أما في حال تخلى عنها زوجها فهذا يعبر عن نكران الجميل ويبدأ الزوج بالتفكير بالزواج من اخرى وهذا يعتبر قمة الجحود لهذه الزوجة التي لو كان العكس لصبرت وضحت في الوقوف بجانب زوجها ولا تتحمل ا?ابتعاد عنه».

وتبين خلف:«وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، فالواجب إحسان الزوج عشرته لأهل بيته وصنع المعروف اليهم وخاصة الزوجة (وعاشروهن بالمعروف)، فهل من حسن العشرة أن يستمتع الزوج مع زوجته في حال الصحة فقط لأنها تقوم بالحقوق الزوجية وعند مرضها لا يتحمل ويردها لأهلها».

وتنوه:«وهناك بعض الرجال لا يقومون بأي عمل اتجاه زوجته المريضة حتى أنه لا يأتي لها بطبيب ولا يدفع لها المصاريف ويتذمر من مرضها، فالواجب عليه أن يرافق زوجته ويبذل جهده من أجل المساعدة في شفائها وتحسين حالتها النفسية والصحية فيخدمها ويساندها، وأن يعلم أنه ملزم بمصاريفها فكما يحب الزوج أن تكون زوجته بجانبه بالمرض وتفانيها معه عليه أن يعاملها بالطريقة نفسها».

ويقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي:«لا شك أن مرض أحد أطراف الأسرة الزوج أو الزوجة بالطبع شيء مزعج ويبين في الحقيقة معدن الطرف الآخر، وبالطبع لا نستطيع الوقوف مع جهة اتجاه الأخرى ولا نستطيع أن نعمم، لأنه لا يوجد دراسات توكد بأن الزوجة أكثر إخلاصاً عند مرض زوجها أو العكس».

ويضيف :«ولكن هذه حقيقة تعتمد على عدة عوامل منها مدى القرب النفسي والوجداني بين الزوجين، ومدى حبهم لبعضهم البعض، ومقدار قوة العلاقة بينهما ومقدار وجود كل طرف منهما في حياة الآخر، فمعادن الناس تظهر عند الشدائد فتبين للزوجة هل صبر زوجها على مرضها وأشعرها باهميتها ودعمها نفسياً، وهل قام بتقويتها فزادت مناعتها وصلابتها النفسية بالتصدي للمرض خاصة إذا كان المرض مزمنا ولا يرجى شفاؤه أو يؤدي إلى عجز تام».

وينوه التميمي:«ولكن للأسف بعض المتزوجين تكون العلاقة بالأساس قبل مرض الزوجة هشة وضعيفة وغير منسجمة تماماً فهذا يؤدي بالطبيعي إلى إهمال الزوج لزوجته وبالطبع يعتمد على عوامل ثقافية واجتماعية ومعتقدات يحملها الشخص عن موضوع الزواج وعلاقته بالاهتمام والمحبة والإخلاص بين الزوجين».

وأظهرت دراسة أميركية حديثة أن الزوجين يواجهان خطراً أكبر بالطلاق عندما تكون الزوجة وليس الزوج في حالة مرض خطير.

وبينت الدراسة التي نشرت نتائجها في مجلة «جورنال أوف هيلث أند سوشل بيهيفر» Hournal of Health and Social Behavior، أن احتمال الطلاق يزداد بنسبة 6% عندما تصاب الزوجة بمرض خطير بالمقارنة مع احتمال الطلاق في حال كانت الزوجة في صحة جيدة، في المقابل، إذا ما أصيب الزوج بمرض خطير، يبقى احتمال الطلاق على حاله.

وتضمنت الدراسة التي قادتها أستاذة في جامعة ايوا ستايت Iowa State University، إميليا كراكر، تحليلاً لـ2701 زواج استمر 20 عاماً مع شريك دون سن الـ51. وانتهت 32% من هذه الزيجات بالطلاق، و24% منها بوفاة أحد الزوجين.

وأشارت أحدى القائمات على هذه الدراسة إلى أن المرض عامل مؤثر بشكل كبير على حياة الثنائي، خصوصاً لأسباب مالية، ويمكن أن يؤدي إلى الطلاق، لكن عندما تكون الزوجة هي المريضة، «تكون جودة العناية المقدمة عاملاً آخر»، بحسب كراكر، التي لفتت إلى أن «النساء عادة ما يكنّ أقل رضا من الرجال عن العناية المقدمة لهن»، لأن الرجال، وغالباً ما يكونون في سن متقدمة، لم يتلقوا في أكثر الأحيان التربية اللازمة مثل النساء لتقديم العناية الصحية للشريك.

ولم توضح الحالات المعنية ما إذا كان قرار الطلاق صادراً عن الرجل أو المرأة، إلا أن الدراسة «تظهر هشاشة وضع الناس عندما يكونون مرضى»، وفق عالمة الاجتماع.