عمان - فرح العلان

صدر حديثا عن عن دار هبة ناشرون/ الأردن، رواية «بروميثانا» للكاتب أحمد أبو سليم، وهي تتناول قضيَّة وجود الإنسان بوصفه مرجعيَّة لكلِّ الكائنات، وتعتبر أَنَّ ماهيَّة الإنسان هي الماهيَّة الوحيدة الَّتي يمكن أَن تكون منطلقاً لتصوُّر إمكانات سلوكيَّة لكائنات أُخرى.

ثقافة معيَّنة تتمثَّل في رواية «بروميثانا» باعتبارها معياراً وحيداً لسلوك ممكن، ويتجسَّد ذلك في النصِّ الفنِّي عبر تجميع مدهش لسلسلة من الجزئيَّات الَّتي تتجمَّع داخل النصِّ ليس عبر الأَفعال فقط، إنَّما عبر رصد أَنواع سلوكيَّة قابلة للتصوُّر ضمن النَّسق العام.

كما تطرح الرِّواية قضيَّة الانحياز للجنس الأَدبيِّ، وهي قضيَّة مطروقة منذ القدم في الثَّقافة العربيَّة، على سبيل المثال: المتنبي الطِّفل قبل ذبول حروفه، وموته على أَيدي لصوص طريق عابرين، وشكسبير حين كان الجميع يصرُّون على سؤاله عن الجامعة الَّتي تخرَّج منها، ما تمَّ قوله عن الانحياز للشِّعر، يُقال الآن عن الرِّواية، كحارسة للأَشياء، والحيوات، والكلمات، إذ لا رواية تمرُّ هكذا، دون أَن تسرق منَّا، وتأخذ ما تأخذ، وتعطينا هويَّة، وجينات راسخة كلون التُّراب، وثبات الحجارة.

انحازت رواية «بروميثانا» لضوء الكلمة، كيف تجذبها للمتلقِّي من أَجل الصَّحو، وحروف النِّداء، ليولد النَّهار من الغياب، ويصبح فرحاً للمعنى. كما انحازت الرواية للفرح المسروق من عيون النَّاس في بلادنا، ولسورياليَّة الفراشات في امتحانها الأَوَّل خلال الضَّوء الَّذي أَصبح مجازاً روائيَّاً بحتاً من خلال الكلمات.

طرحت الرِّواية علاقة المثقَّف بالسِّياسيِّ، أَو بعبارة أَدقَّ وأَوضح الهمَّ اليوميَّ للإنسان، هذا هو المفهوم المُتعارف عليه عند الحديث عن السِّياسيِّ بصرف النَّظر عن صحَّة أَو عدم صحَّة المصطلح، إلاَّ أَنَّه المفهوم الأَكثر شيوعاً في الوعي الجمعيِّ للمجتمع العربيِّ، حيث أَوقع السِّياسيُّ الإنسان العربيَّ في خطأ تاريخيٍّ كبير عندما هيمن السِّياسيُّ على الثَّقافيِّ، حتَّى إنَّ الرَّاحل عبد الرَّحمن منيف انتقد هذه الهيمنة في أَحد أَعماله النَّظريَّة.

الكاتب أَحمد أَبو سليم سار على هذا المنوال، إذ كان سرده يناقش أَخطر المقولات الَّتي يروِّجها البعض، وهي أَنَّ بلادنا تحتاج إلى حقب تاريخيَّة قطعتها أَوروبَّا لتلحق بركب هذا العالم، وتنتصر للفلسفة، والفكر، وتخرج من عتمتها، حيث نستخلص من سرد أَبي سليم أَنَّ هذا الرَّأي لا يمتُّ للحقيقة بصلة، ولا للمعرفة، لأَنَّنا في القرن الحادي والعشرين، وما أَنجزته البشريَّة من تطوُّر وتقدُّم في سائر المجالات يقينا الحاجة للمرور بهذه الحقب، خاصَّة إذا جسَّرنا الهوَّة بين المثقَّف والسِّياسيِّ، وهذا بالذَّات ما طرحته رواية ?روميثانا للكاتب أَحمد أَبو سليم في تجلِّياتها السَّرديَّة، إنَّها رواية تبحث عن إجابات، وتترك للمتلقِّي البحث عن الإجابة المقنعة، وطرح الأَسئلة على طريقته ما دام عصر الإجابات الجاهزة المعدَّة دائماً سلفاً قد انتهى.