عبد الهادي المدادحة

كثيرة هي المرات التي لم يخذله فيها حدسه، فجرَت الأمور على ما يرام. وكثيرة هي المرات التي توقع لها نهايات غير سارة وكانت النتائج متطابقة مع توقعاته.

قال في نفسه: «نحن لا نعلم الغيب»، محاولا الاكتفاء بهذه العبارة.

انهمرت مياه المزن بغزارة، واشتدّت حلكة الليل وتعمّق سواده، وبهتت أضواء المنازل البعيدة وأوشكت على التلاشي والذوبان.

سار في الطريق المعبدة الزلقة ينقل خطواته بحذر شديد، ترك حبات المطر المتساقطة على رأسه المكشوف تتسلل إلى ظهره، وغطست قدماه في مياه البرك الصغيرة المنتشرة في الطريق. استسلم لحكم الطبيعة ولم يقاوم. كان دماغه ينبش في ثناياه عن امرأة أحبته طواها النسيان بعد أن افترقا ردحا طويلا من الزمن. تمر صورتها أمامه في عتمة الليل البهيم، ثم تختفي سريعا كأنها ومضات البرق الذي يلمع في السماء، يتلو ذلك الوميض هدير صوت قلبه الذي يخفق كأنه الرعد الذي يهدر في السماء. قال في نفسه: «عليك أن تستسلم للأقدار كما تستسلم للطبيعة العاصف? هذه الليلة».

يأبى عقله القبول بهذا الحكم اليائس، ويحدثه قائلا: «ستصل إلى المنزل بعد قطع المسافة المتبقية، وهناك ستجد الدفء والإنارة والملابس الجافة غير المبتلة. هناك لا تستسلم لحكم الطبيعة. فكيف تطلب مني أن أستسلم للأقدار التي يستطيع الإنسان صناعة أغلبها. فالإنسان مسؤول عن تحقيق ثلثي قدره».

قال في نفسه: «أرجوك اصمت أيها العقل، وترفَّع عن استذكار امرأة أحبتني ومضت إلى سبيلها. ما الذي عاد بها لتطفو ذكراها على السطح وتقفز صورتها أمامي في هذه الليلة حالكة السواد؟». لكن العقل يأمر ولا يؤمَر، فهو الذي يحدد متى يتكلم ومتى يصمت، ورغم كل توسلاته إليه في تلك اللحظات أن يصمت لم يستجب، وبقي يقرعه ويلوم تقصيره وإهماله.

خاطب عقله مجدداً: «أنت تعلم كيف كانت الظروف في ذلك الوقت من الزمن، عندما انحدرت الأحوال إلى الدرك الأسفل من البؤس، قُضي على الفرح، وغادر الأمل الساحة العامة مختبئاً وراء رذيلة اقترفها آخرون، ومارس الظلم ضغوطا تعجز عن حملها الجبال، و....».

قطع العقل كلامه قائلاً: «لا تبرر، أنت هربت واختفيت وراء بؤس الآخرين».

صمت العقل والقلب معا في تلك اللحظات، بقي صوت الخطوات الثقيلة وهي تدب على الطريق المبتلة، وبقيت المياه تتسرب إلى جسده تحت الملابس وهو غير مكترث للبلل، هامت الروح في الملكوت تبحث عن امرأة أحبته في ما مضى.

أخيرا وصل إلى المنزل وهمّ بنزع معطفه الخفيف عن كتفيه، وقعت يده على الهاتف الخليوي في جيب المعطف، أخرجه مسرعا، وجده مضاء، نظر فيه، وإذ برسالة من كلمة واحدة على الشاشة المضيئة. تراقصت عيناه واتسعت حدقتاهما، لمعت صورتها أمامه من جديد، ازداد هدير صوت القلب خفقاناً قبل أن يجزم أن الذي ظهر في خانة المرسل هو اسمها وأنه قرأ الكلمة المكتوبة على الشاشة أمامه بشكل صحيح.