قرار الانتحار أمسى الحلّ الوحيد أمامه وكلّ الطّرق تؤدّي إلى روما. لذا رأى من الضّروري أن يكحّل عينيه برؤية أبنائه لآخر مرّة، فقام عن الكرسيّ مسرعاً، فتح باب الغرفة، نظر إلى أولاده الأربعة وهم نائمون على السّرير العريض جنباً إلى جنب، ثم أغلق الباب، وتوجّه إلى غرفته. عقارب الساعة تقف على الساعة الثالثة فجراً، وزوجته تغطّ في نومٍ عميق.

بدا مجهداً بينما التفكير قد أجهز عليه. رمى بنفسه على الكرسي. أجال بصره في المكان، تأمّل تفاصيله، النافذة المفتوحة، السّتائر الصامتة، المرآة الطوليّة، ومساحيق التّجميل أمامها على الطاولة، والمكتبة ثلاثيّة الخزائن في زاوية الغرفة، إلى أن ثبت نظره على خيط الدّخان المنبعث من فنجان القهوة على الطاولة أمامه. تفحّص الخيط طويلاً وكأنه وجد نفسه فيه. أحسّ بتشابهٍ خفيٍّ بينه وبين هذا الخيط الرّفيع المترنّح في الهواء، كلاهما وجوده في هذا العالم ولا بدّ لهما في النهاية من الفناء. جذبت كومة الأوراق إلى جانب الفنجان اهتمامه، كانت خليطاً من إنذارٍ عدليٍّ لدفع إيجار الشّقّة، وفواتير الكهرباء والماء والهاتف الذكي مستحقّة الدّفع له ولزوجته، وقائمة طويلة من أسماء دائنيه: ال?قّال، بائع الخّضار، الفرّان، النجّار، وبائع الكتب في آخر الشارع المجاور للعمارة حيث يقيم.

شدّ على الأوراق بيديه، ثم ألقى بها جانباً، وغطّى وجهه بكفّيه. انتابه شعورٌ بالألم ورغبةٌ بالبكاء. عاد حدثُ طرده من العمل بالمثول في مخيّلته. عشرون سنةً من العمل المضني بين دفاتر الحسابات وإعداد التقارير اليوميّة والسنويّة قضاها في خدمة المؤسّسة وصاحبها لم تكن كافيةً لتشفع له بألّا يستغني عن خدماته في زمن الرّكود الاقتصادي، فإذا به ينبذه كما ينبذ نواة تمرةٍ بعد أكلها، حتى غدا عاجزاً عن تلبية التزاماته، وتأمين ضرورات الحياة له ولأفراد عائلته.

طرد ذلك المشهدَ المؤلم من ذهنه، ومال ببصره إلى زوجته الممدّدة على السّرير. أحسّ بانجذابٍ لجسدها الملتحف بغطاءٍ صيفيٍّ رقيق، همّ إليه، انحنى نحوه جالساً على طرف السّرير، أخذ برفع الغطاء عنها بلطف حتى أمسى جسدها الحنطيّ بقميص النوم القصير مكتملاً أمامه كأنّه البدر التّمام. طاف ببصره فوقه بقعًةً بقعة. شعر بالإغواء المثير بينما عيناه تغوصان في تفاصيل الأنوثة. لم يشعر كيف حطّ بيده عليها حتى انتهى بتقبيلها بحرارةٍ وشوق.

عنّ عليه قرار الانتحار من جديد بقوّة، فلاذ بكرسيّه ثانيةً. عاد للتّفكير بقسوة الحياة، وكيف أصبح الحظّ العاثر فيها لازمةً أبديّة. العقبة الوحيدة التي تعترض طريقه لتنفيذ مبتغاه هي طريقة الموت، فهو يريد درباً سريعاً لا احتمال فيه للنّجاة، وفي الوقت نفسه آمناً لا مكان فيه للألم. فكّر كثيراً ولم ير ضوءاً في آخر النّفق. كلّ الطّرق تتأرجح بين اثنين: إما موتٌ مؤلمٌ، أو انتحارٌ مريح تشوبه شبهة الفشل. «يبدو أنّه لا مناص من الألم»، قال هذا واستمرّ بعصر دماغه: نصْبُ مشنقة منزليّة الصّنع للموت من خلالها بدعةٌ سينمائية ليس إلا. تناوُل مئة قرصٍ من الأدوية المهدّئة فكرةٌ غير مطروحةٍ لعدم امتلاكه ثمنها، الارتطام بسّيارةٍ مسرعةٍ سيناريو غير مضمون لن يخلو من الألم المتواصل، الموت بطلقٍ ناريٍّ أسلوبٌ غير متاح لعدم وجود الأداة. طريقان لا ثالث لهما توفّر فيهما عنصر الموت السّريع المضمون فقط، وغاب شرط انعدام الألم عنهما بالنّسبة له: السّقوط من علوٍّ شاهق، وقطع شرايين الي?ين. مال بلا تردّدٍ إلى الاختيار الأول، فزّ على الفور إلى السّطح يعضده الإصرار. صعد الدّرجات كالمجنون. وجد الباب مفتوحاً، فمضى إلى الحافّة الأماميّة. سواد السّماء زاده كآبة. غالب خوفه بشقّ الأنفس وأطال التحديق في الإسفلت والدّكاكين المغلقة. أراد المضيّ في غايته. أحسّ بالعرق ينهمر من جسده انهمارَ الأمطار في كوانين، وقلبه يكاد ينخلع من صدره، فتقاعس عن إكمال المهمّة، وعاد إلى الداخل وقد بدا حدّ السّكّين خياره الأخير.

توجّه إلى المطبخ على الفور. فتح الجارور الأوّل. أطبق على السّكين بيده، وعاد إلى غرفة نومه. وضع النّصل على الرّسغ، همّ بالشّروع لقطع شرايينه، شردت منه نظرةٌ طائشةٌ في المكان تفيض بخيبات الأمل، نظرةٌ جعلته بلا وعيٍ يتمسمر في موقعه ويبعد النّصل عن رسغه ويعلّق نظراته باتّجاهٍ آخر، اتّجاه المكتبة ثلاثيّة الخزائن في غرفته.

«كيف لم يخطر هذا في بالي من قبل؟»، سأل نفسه باستهجان. ومضى يتلمّس الكتب بيديه بينما هو يخاطبها بحزن قائلاً: «يبدو أنّ أوان فريقنا قد أتى. سامحيني أيتها الكتب الغالية. لا حلّ لديّ سوى أن أعرضك للبيع».

هكذا ارتدّ قرار الموت لديه في ثوانٍ إلى قرارٍ ببيع المكتبة بأكملها، رغم أنّ تلك الكتب هي الشيء الوحيد الذي كان يمنحه السّكينة والقوة والهويّة المميّزة كشخصٍ مثقّفٍ بين رفاقه وزملائه ممن أتقنوا ركوب الجهل والفراغ وهشاشة المعرفة، ويجد فيها العزاء لكسر روتين الحياة القاتل، والسّير باتجاهٍ مغايرٍ لاتجاه انتظار المعاش وشراء الحفّاظات ومؤونة البيت اللامنتهية، وهو الاتجاه الذي يجعل الإنسان رهينَ مصفوفةٍ رتيبةٍ من الاحتياجات الاستهلاكية التي لا يختلف فيها عالم الإنسان عن عالم الحيوان سوى في القليل منها.

وجد الحلّ مناسباً رغم أن معادلة الموت والألم ما زالت حاضرة بقوّة، فالألم ثابتٌ هنا وهناك، لكنّ الموت غادر مملكة البدن ليستقرّ في مملكة الروح. فحالة الانفصال بينه وبين مكتبته التي ما زالت تحتضن جزءاً من حقبة الطّفولة هي أشبه بحالة موتٍ سريريٍّ معلن. وقد رأى في ذلك الموت الروحاني مجرّد تأجيلٍ للموت الجسدي، وطوق نجاةٍ من عاصفةٍ مدمّرةٍ لا تنفك تطلّ بخرابها بين الفينة والأخرى.

في الصّباح رنّ في أذنه صوت سيّارة شراء الأثاث المستعمل وهي تعبر الشارع. نزل من العمارة بسرعة البرق، وأحضر السائق حتى يرى الخزائن الثلاث والكتب إن أرادها. لم يدفع في الخزائن عدا خمسة دنانير، أما الكتب فلا همّ له بها! هاله الرّقم وأردف بأنّ الخزانة الواحدة كلّفته مائة دينارٍ، فالفجوة مهولةٌ بين الرّقمين. زاد السائق إلى الخمسة دينارين، مما تسبّب في عرقلة الخطّة.

تفتّق ذهنه عن فكرةٍ معقولة، فما لبث أنّ حمل بعض الكتب، وركب سيّارة الأجرة متوجّهاً إلى وسط المدينة ليزور صديقا قديما له يمتلك محلّاً لبيع الكتب هناك، أراد أن يسرّ له برغبته ببيع مكتبته، وأن يعرض عليه شراءها بخزائنها. فهو لن يبخسها حقّها كما فعل سائق سيّارة شراء الأثاث المستعمل.

رحّب الصّديق القديم بصديقه، واستمع لكلامه، وتحمّس للفكرة لمّا رأى ما عرضه عليه من عيّناتٍ للكتب الموجودة في منزله. دفع له ثلاثمائة دينار. شعر بفرحةٍ منقوصةٍ في داخله، فالكتب وحدها تقدّر بألف دينار، إلا أنّ الدينار الواحد في ظلّ العوز يغدو للغريق طوق نجاة.

بلا تأخيرٍ تمّ الاتفاق. أتى الصّديق وناوله الثّمن على باب المبنى بينما الكتب تُرَصّ في داخل الشاحنة. أخذ النّقود والحسرة في وجهه. أعطاها لابنه الصّغير طالباً منه أن يسلّمها لوالدته في الأعلى. تناولها الصّبيّ ومضى راكضاً على الدّرج بينما هو ينظر إلى ذكرياته مكدّسةً في الشاحنة التي كانت تخرج من الزّقّة إلى الشّارع العمومي.

أحسّ للحظةٍ بما يشبه طعنةً في الصّدر، فلم يصعد إلى بيته ومشى باتجاه الحديقة القريبة من الحيّ. راودته حاجةٌ لاستنشاق هواءٍ نقيٍّ. غالب مشاعر الحزن ولحظة الانكسار. شعر أنه عارٍ بين الناس، وأن المحيطين به يحدّقون بعوراته، بينما صور وجوه زملائه الفارغين تقفز من حوله، وكلّ منهم يمدّ لسانه نحوه بسخريةٍ واستهزاء.

في الحديقة جلس على أحد المقاعد النائية. الشّعور بطعنة الخنجر عاوده مرّة أخرى. أحسّ أن حدّه يمزّق أحشاءه، وأن أنفاسه تهرب من جوفه بلا عودة. رفع رأسه إلى الأعلى بصعوبة. بدت له أشعّة الشّمس خطوطاً متعرّجة في عينه والألم قيداً لا انفكاك منه. عندها خرجت صرخةٌ مخنوقةٌ مخلوطةً بالعذاب من حنجرته، وما هي إلا ثوانٍ حتى اقتنصه الموت وارتخى بدنه على زاوية المقعد جثّةً هامدة.